منتدى الابداع العربي


شاطر | 
 

 فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي - قراءة نقدية لبعض الآراء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 320
النشاط : 0
تاريخ التسجيل : 19/06/2010
العمر : 29

مُساهمةموضوع: فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي - قراءة نقدية لبعض الآراء    السبت ديسمبر 11, 2010 9:53 pm

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي - قراءة نقدية لبعض الآراء
الكاتب/ أ. محمد بن أحمد جهلان
16/03/2010
أ. محمد أحمد جهلان (أستاذ بجامعة غرداية)

دخل الفكر العربي في انقسامات حادَّة إثر صدمته بالحداثة منذ القرن التاسع عشر، توزَّع على أعقابها إلى اتجاهات وتيارات عديدة تناولها الدارسون ضمن تصنيفات متعددة. وإذ يحاول هذا البحث الاشتغال على آراء بعض المفكرين العرب المعاصرين، وبالضبط في نظرتهم للنص القرآني والسبُل التي يرونها الأمثل لفهمه، فإنه مضطرٌّ للتعامل مع تلك الآراء ـــ مع الإشكاليات المترتبة عنها ـــ بأمانة تقتضي الحذر والتحفُّظ. على أنَّ هدف البحث الرئيس ليس البرهنةُ على جدوى تلك الآراء أو عدمِها، بقدر ما يحاول تلمُّس تمايزات الخطاب الحداثي، والعقبات التي تواجهه في سياق سعيه لصياغة وسائل جديدة في التعامل مع النص القرآني وطرُق فهمه(1).

واجهت خطاب الحداثة مآزق ومعضلات، ومقولات ولدت معه، فلقد بات مصطلح "الحداثة" في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر بشكل عام ـــ وفي مناهج فهم النصوص الدينية بشكل خاص ـــ مثار توهُّج وحساسيَّة في آن معاً، حيث يتم تداوله بكثافة كبيرة، وبتلوينات مختلفة إلى حدِّ التناقض، بدوافعٍ معرفية ومذهبية (أيديولوجية) أحيانًا. كل ذلك أوقع استعمال المفهوم (مفهوم الحداثة) بالتباساتٍ لعبت دوراً سيئاً في تطور الخطاب الإسلامي، ما يفسر لنا ـــ جزئياً ـــ سبب مراوحة هذا الخطاب مكانه حول إشكاليات وقضايا ثارت منذ مطلع القرن الماضي.
وبالمقابل فقد تجمَّعت دواعي كثيرة للفكر ”السلفي“(2) كي يرفض ”التجديد“ بشكل عام و”الحداثة“ بوجه خاص، ويتحسَّس منهما، معتبرًا ”الحداثة“ مصطلحاً يدلُّ على خطاب مفارق له، ومفهوماً يتناول الأشياء بعقلية مختلفة؛ فإيمانه بكفاءة السلف وقوة ”المرجعية التراثية“ أفضى للقطيعة مع الغرب على المستوى المعرفي ـــ على الأقل ـــ في حقول المعرفة الإنسانية المتعددة, وتتحوَّل تلك القطيعة إلى ”عداوةٍ“ شاملة للغرب متغذية بالظروف السياسية، مـمَّا سبب ”تطابُق“ المعرفي والفكري بالسياسي، فالغرب هنا يصبح وحدة واحدةٌ لا تتجزأ... وهكذا تشبَّع الذهن السَّلفي بنظرية ”المؤامرة“.
على أنَّ المتدبر للأمور يرى أن تيار الحداثة ـــ ”العلماني“ منه بالخصوص ـــ قد أسهم بدوره في الإساءة إلى اتجاه النهضة والتجديد الإسلامي وإلى طبيعة التعامل مع النصوص الدينية، هذا فضلاً عن النزعة النقدية ”الاستفزازية“ التي يتَّسم بها هذا التيار غالباً، الأمر الذي أوجد مبرراً مهماً للعدوانية التي يبديها ”الفكر السلفي“، من خلال إنشاء اتهاماته و”تخويناته“!
وإذا كان من العسير في هذه العجالة الإحاطة بجميع آراء المفكرين العرب ”الحداثيين“ أو ”ما بعد الحداثيين“ أو ”التجديديين“ باختلاف مسمياتهم ومناهجهم، فإنَّنا نأمل الوقوف على أبرز المقولات والمبادئ التي تعرَّض من خلالها تيار التجديد للنقد والمساءلة، ونركِّز هنا على النقاط التي تهمُّ بحثنا وهي المتعلقة بقراءة وفهم النص القرآني وأسلوب التعامل معه تفسيرًا وتأويلاً.
أولاً: القرآن نص لغوي فنِّي:
لقد نظر مفكرو الحداثة ـــ المتأثرون بالثورة اللغوية التي شهدها القرن الماضي ـــ إلى النص القرآني بوصفه نصًّا لغويًّا أولاً وأخيرًا، مستبعِدين بذلك عنه كلَّ المفاهيم الغيبية والتاريخية، ولقد كان للدكتور ”طه حسين“ ولأستاذه من قبل ”أمين الخولي“ نظرة خاصَّة لآلية فهم وتدبر النصِّ القرآني؛ إذ يرى كلٌّ منهما أنَّ النص القرآني لا يمكن إدراكه إلاَّ في إطاره الفنِّي ”الأدبي“، فمن حقِّ الناس جميعًا أن يقرؤوا كتبهم الدينية ويتذوَّقوا جمالها الفني والأدبي، ويعبِّروا عن نتائج هذا التذوُّق، وأن «يُعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيث هي موضوع للبحث العلمي بقطع النظر عن مكانتها الدينية»(3).
وقد نحا الدكتور ”طه حسين“ منحى أستاذه، فأنكر أن يكون للنص القرآني دلالة تاريخية ”غيبـية“ تتعدَّى إطار التصوير الفني الأسطوري والحكائي، وكلُّ محاولةٍ لفهم القصص القرآني باعتبارها حوادث تاريخية واقعية هي محاولة تأويلية ”تلوينية“ لا أساس لها من الصحَّة، لذا نجده يقول: «للتوراة أن تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا، ولكن وُرُود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي وفضلاً عن إثبات هذه القصَّة التي تُحدِّثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكَّة،... ونحن مضطرُّون إلى أن نرى في هذه القصَّة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن، من جهة أخرى»(4).
ولسنا بصدد تقصِّي كلِّ آراء أمين الخولي، ولا آراء طه حسين فيما ذهب إليه في محاضراته التي ألقاها على طلابه في الجامعة المصرية بعنوان ”في الشعر الجاهلي“ سنة 1926م، وحول القصص في النصِّ القرآني بالخصوص، إلاَّ أنَّني أريد استخلاص نتيجة متعلِّقة بفهم النص القرآني وهي أنَّ هذا المنحى في دراسة النص القرآني يعمد في كثير من الأحيان إلى نفي الصدق التاريخي والواقعي لأحداث قصص القرآن الكريم، ويكتفي بالصدق الفني، وهو منحى ”ناسوتـي“ ”عقلاني“ يركِّز على المحسوس وهو يتعامل مع النص باعتباره مادَّة لغوية، ويدرسه - كما يدرس أيَّ نصٍ آخر - دراسة تقنية تحليلية خاضعة لمنهج الشك الديكارتي وخطِّه البرهاني، و”يترفَّع“ عن الماورائيات التي - حسب رأي هؤلاء - تُعيقُ فهم القارئ المفسِّر وتقيِّد حريَّة تأويله.
وهذا بالضبط ما دفع ”سيد قطب“ إلى وضع كُتُبه في التصوير الفني في القرآن الكريم(5) مؤكِّدًا على أولويَّة الغرض الديني ”الغيبـي“، رغم اهتمامه بالجانب الفني في النص، لأنَّ القرآن يزاوج بين الغرض الديني والغرض الفني فيما يعرضه من صور ومشاهد، بل إنَّ الجانب الفني ما هو إلاَّ أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتسهيل إيصال المعنى الديني.
والحقيقة كما أوردنا في بداية هذا البحث أنَّ المعركة الفكرية الدائرة اليوم بين أصحاب ”الحداثة“ أو”ما بعد الحداثة“ أو ”التجديدين“ - باختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم - وبين ”السلفيين“ و”المحافظين“ وحتى ”النهضويين“(6) المتفتحين، حول ماهية النص القرآني وكيفية التعامل معه، ما هي إلاَّ امتداد للمعركة الفكرية التي احتدمت أيام ”طه حسين“؛ وجسَّدت الصراع بين قراءتين: قراءة تقليدية وفق آليات البعد الغيبـي الغارق في الخرافة أو الأسطورة (حسب تصوُّرهم)؛ وهي قراءة القدماء بوجه عام(7)، وقراءة وفقًا لآليات البعد التاريخانـي البشري؛ وهي قراءة أنصار الحداثة من ”علمانيين“ و”تنويريـين“.
وكما أنَّ الجدل كثيرًا ما تقوقع لدى علماء الدراسات القرآنية بين ثنائيات النقل والعقل، والتفسير والتأويل، والمأثور والرأي... وتطوَّر في وقت معين إلى التجهيل وحتى التكفير... فإنَّ بعض التجارب الحديثة حاولت اقتحام عالم النص القرآني باستخدام ”ترسانة“ من الآراء المختلفة والمترابطة فكريًا ونقديًا وأدبيًا، وهي في مجملها لا تحيد عن مبادئ مدرسة ”الحداثة“ في الفكر المعاصر.
ثانياً: القرآن نص تاريخي ومنتج ثقافي:
لقد حاول ”نصر حامد أبو زيد“ أن يقرأ النص القرآني قراءة تاريخية ”ناسوتية“ لا قراءة لاهوتية غيبية، معتبرًا أن ”الواقع“ يجب أن يكون هو المدخل الحقيقي لفهم النص، وأنَّ الإيمان بوجود بُعدٍ غيبـي للنص في ”اللوح المحفوظ“ وإقحام أفكارٍ خارجة عن إطار المادة اللغوية سوف يعرقل عملية التلقِّي المعاصر والفهم الموضوعي للنص، وفي هذا يقول: «إنَّ النص [القرآني] في حقيقته وجوهره مُنتَج ثقافي؛ والمقصود بذلك أنَّه تشكَّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتَّفقًا عليها، فإنَّ الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقي سابقٍ للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، ويعكِّر من ثَـمَّ إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص»(Cool.
يرى الدكتور أنَّه ينبغي على الباحث والناقد والمفسر أن يتناول القرآن تناولاً نقديا لغويًّا كما يتناول أيَّ عملٍ فني آخر من غير اعتبار لأيِّ بُعدٍ ديني أو غيبـي.. إنَّ البحث عن مفهوم ومعنى للنص القرآني ليس في حقيقته - كما يرى أبو زيد - إلاَّ بحثٌ في طبيعته بوصفه نصًّا لغويًّا، «وهو بحثٌ يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثره الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنَّه كذلك في الدين أم لا. وهذا الدرس الأدبي للقرآن في المستوى الفني، دون نظرٍ إلى اعتبارٍ ديني، هو ما نعتدُّه وتعتدُّ معنا الأمم العربية»(9). ويقول: إنَّ «المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي هو درس الكلام الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار النظام الثقافي الذي تجلَّى من خلاله. ولذلك يكون منهج التحليل اللغوي هو المنهج الوحيد الإنساني الممكن لفهم الرسالة، ولفهم الإسلام من ثَـمَّ»(10).
ونلاحظ مـمَّا سبق مدى توافق نظرة ”أبي زيد“ مع نظرة أستاذه ”الخولي“ في اعتبار النص القرآني نصًّا لغويًّا لا يمكن الولوج إليه بتصديق ”الغيبـيات“ و”الأساطير“ و”الخرافات“ وإنَّما يوظفها النصُّ لغرضٍ جمالي فني بحت !.
ولعلَّ هذه الفكرة ذاتها نلمسها عند مفكر آخر وناقد عربي وهو الجزائري ”محمد أركون“، فهو ممن تأثَّر بالمنهج التفكيكي الذي يتزعَّمه ”جاك دريدا“، لذا فهو ينادي بتفكيك النصِّ القرآني باعتباره أساطير وقصصًا يمكن قراءتها بطريقة أدبية بحتة، ونجده يقول في إطار نقده الهام للفكر الإسلامي: «إنًّ المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية، تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محوَّرة عن مطامح ورؤى وعواطف يمكن فقط للتحليل التاريخي والسوسيولوجي (علم الاجتماع) والسيكولوجي (علم النفس) واللغوي أن يعرفها ويكشفها»(11).
إنَّ ما يسعى إليه كل من ”أبي زيد“ و”أركون“ هو إزالة ”القدسية“ و”الغيبية“ وأسس التعاليم الدينية الثابتة عن النص القرآني حتَّى يتسنَّى التعامل معه بحرية مطلقة وفقًا لأحدث النظريات التحليلية النقدية، وليكون موضوعًا للتأويلات النقدية الجديدة الممحِّصة لمكانته اللغوية والأدبية والتاريخية.
ويلاحظ القارئ أنَّ هناك تشابها بيِّـنًا بين منهجي ”أبي زيد“ و”أركون“(12)، حيث يتَّفقان في ”تفكيك“ النص لدى الطرفين وفقا لمنهج تحليلي لغوي، بحيث تكتسب النصوص مصداقيتها من خلال دورها الواقعي الآني في الثقافة، فما ترفُضه الثقافة وتنفيه، أو تستهجنه وتستبعده لا يقع في دائرة ”النصوص“، وما تتقبله الثقافة الراهنة بوصفه نصًّا دالاًّ فهو كذلك «وقد يختلف اتجاه الثقافة في اختيار النصوص من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، فتنفي ما سبق أن تقبَّلته، وتتقبل ما سبق لها أن نفته من هذه النصوص»(13).
وقد نهج المنهج التفكيكي المفكر والأديب ”أدونيس“ في تأويله للتراث الأدبي العربي بشكلٍ عام، وإذا كان النص القرآني من صلب التراث العربي - حسب وصفه(14) -، فإنَّ المنهج الذي يتبناه هو منهج تحليل النص وتفكيكه، بهدم بُنـياته [جمع بنـية] وإعادة تشكيلها وفقا لمعطيات الواقع؛ إنَّه نفس المنهج الذي يتعامل به مع نصوص الأدب العربي بشكل عام، ومعالجته لن تختلف عن معالجة هذا النص أو ذاك. ووفاءً لنظرية ”رولان بارت“ القائلة بـ”موت المؤلِّف“ بمجرِّد اكتمال نصِّه، وأنَّ النصَّ - باعتباره مادة لغوية - هو ”الخالد“ الذي ينطلق في رحلة غير منتهية من التلقي والتأويل، بينما يموت المؤلف ويفنى ويزول؛ فإنَّ أدونيس يقول عن النص القرآني: «منذ أن أصبح الوحي موجودًا في لغة، منذ أن تحوَّل إلى نصٍّ مكتوب، صار بوصفه كتابة، هو المتكلِّم، أي صارت اللغة هي الذات المتكلِّمة»(15)، وليس بعيدًا عن هذا الرأي - رغم الاختلاف في المنهج - ما نجده عند ”أبي زيد“ حين يقرِّر بأنَّ القرآن نصٌّ لغوي «بكلِّ ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي، ما هو خارجٌ عن اللغة وسابقٌ عليها لا يمتُّ لنا نحن البشر بِصِلة (...) وأيُّ حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا - شئنا ذلك أم أبينا - إلى دائرة الخرافة والأسطورة»(16).
وبصرف النظر عن النقد الشديد الذي تعرَّضت له نظرية بارت حول ”موت المؤلِّف“ ليس فقط في الفكر العربي بل والغربي أيضًا(17)، فإنَّ تطبيق النظريات: البنيوية والتفكيكية والسميائية... بصيغتها الحالية - ودون مراعاة للقالب الفكري والحضاري والأدبي الذي صيغت فيه - على النصِّ القرآني، إذا لم يكن فيه خطأٌ منهجي، فإنَّ هذا التطبيق على الأقل لم يُوفق في التفريق بين النص الديني والنص الأدبي؛ فلكلِّ نصِّ خصائصه المستقلة والمميزة له دون غيره، وهذا الفهم يتأسَّس في أغلب الأحيان على توجُّه أيديولوجي لا يختلف عن الفهوم المغالية لبعض المفسرين القدماء إلاَّ في الاتجاه والمذهب أو طريقة التناول، فرغم إفادة كثير من الباحثين من مناهج الدراسات النقدية الحديثة والآراء الفكرية البارزة، إلاَّ أنَّ محاولاتهم لتطبيق هذه الآراء والأفكار على النصوص التراثية الإنسانية أو على النصوص السماوية كشفت عن خلل كبير في ملاءمة وتبيئة (من البيئة) هذه النظريات بما يوافق هذه النصوص.
وعلينا أن نؤكد هنا، أنَّ سوء استعمال البعض لهذه النظريات لا يعني أنَّها سيئة برمَّتها وغير ذات منفعة بحيث لا يمكننا الاستفادة منها... فالإسلام يقضي - على خلاف المعتقد المسيحي الحالي الذي يفرِّق بين الوحي والعلم - بأنَّ العلم والقرآن كلاهما من الله تعالى، وبالتالي فهما لا يتصادمان، وسوء الاستخدام وحده هو الذي ينبغي استنكاره. ولعلَّ هذا العجز في التطبيق والاستفادة أدَّى ببعضهم إلى اعتبار النصوص ذاتها غير قابلة للفهم والتحليل ما لم ”يُخلَع“ عنها طابع الأزلية والغيبية والقدسية، وما لم يتمَّ ذلك فإنَّ الإنسان العربي المسلم لن يتمكَّن من الاتصال بـ”الآخر“ وسينطوي على نفسه وينكفئ على ذاته، وهذا بالضبط ما يعتقده ”أدونيس“ حين يقول: «إنَّ القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية، يستلزم أنَّ البشر ينزوون بمناهجهم عن فهمها، ما لم تتدخَّل العناية الإلهية لوهب البشر طاقات خاصَّة من الفهم... وهكذا تتحوَّل النصوص الدينية إلى نصوص مُستغلِقَة على فهم الإنسان العادي، وتُصبح ”شفرة“ إلهية لا تفهمها إلاَّ قوَّة خاصَّة، ويبدو وكأنَّ الله يكلِّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور»(18).
وبناء على ذلك فإنَّ ”أدونيس“ يدعو كما دعا بعض الأدباء الأوروبيين ومنهم ”مالارميه“ في وقت سابق إلى إعادة كتابة الأدب ليوافق متطلَّبات العصر..، فإنَّه (أي أدونيس) يطالب بإعادة كتابة تأويلات النص القرآني كتابة تـمُدُّ الجسور مع ”الآخر“ وتتصالح معه، وإلاَّ فسيظلُّ العربي المسلم غريبًا عن العالم؛ «لا أعرف كيف يمكن للكتابة [المتعلقة بالنص القرآني] أن تكون إنسانية كونية ما دامت لا تفهم الآخر، أو لا تريد أن تفهمه؟ وما تكون قيمة كتابة مغلقة ومعزولة عن الآخر؟»(19).
ثالثًا: بين النص الديني والنص الأدبي:
إنَّ قراءة مفكِّري الحداثة للنص القرآني ومحاولاتهم التأويلية ترتكز - كما تمليه بعض المناهج اللغوية واللسانية- على الجانب اللغوي للنص باعتباره المادة المحسوسة القابلة للتحليل دون اعتبار لطبيعته الغيبية، والخطابات المحايثة للنص والمشكلة للوعي وطبيعة التلقي، ومنها النقول المجسَّدة في السنة النبوية (القولية والفعلية). فإذا كان النص القرآني نصًّا لغويًّا من حيث بيانه وبلاغته.. ومن حيث إمكاناته اللغوية والجمالية، فإنَّ الظروف والغايات التي وُجد من أجلها هذا النص تستدعي قراءته قراءة ملمَّة بجميع الجوانب، حذر اختزاله، فالدراسة اللسانية اللغوية مثلاً للنص القرآني - وإن أنارت جوانب من هذا النص- فإنَّها ستكون قاصرة عن إدراك الإطار الشمولي ”الغائي“ (من الغاية) للنص.
ثمَّ إنَّ تناول النص القرآني بالدراسة وفق مناهج قراءة النصوص الأدبية كما تشكَّلت في ثقافاتها الأصلية، يلغي - كما سبقت الإشارة - الفوارق بين النص الديني والأدبي، تمامًا كما قد يتجاهل الناقد الفوارق بين نص إعلامي ونص شعري مثلاً ولاءً لقالب منهجي معين. ويمكن ببساطة اكتشاف فروق جوهرية بين النص الديني - المحكم منه خصوصًا- والنص الأدبي، يتحتَّم على الدارس الموضوعي إدراكها ومراعاتها.
نعم إنَّ عددًا من الخصائص تقرِّب بين النص الأدبي والنص الديني والفلسفي، وربَّما كانت بعض التصورات الأدبية ناتجة أساسًا عن التباس النص الديني والفلسفي بالنص الأدبي.. حيث يكون استعمال اللغة استعمالاً يخرج بها عن المألوف للوصول إلى درجة التعبير المجازي والاستعاري، لكن هذه الخاصية ليست كافية للتسليم بأنَّ النص الديني أو الفلسفي يستدعي نفس التأويل الذي نمارسه على النص الأدبي.
إذا أخذنا على سبيل المثال أهمية الطبيعة الزمنية للمعنى في قراءة وتأويل النص الأدبي وجدنا أنَّه ليس من الضروري المحافظة على البعد الزمني والتاريخي للوصول إلى معنى معين، بينما نجد أنَّ قراءة النص القرآني وتأويله بمعزل عن ملابساته الزمنية والتاريخية: ”أسباب النزول“، و”المكي والمدني“، و”الناسخ والمنسوخ“ من الآيات، يُوصل إلى نتائج قد تكون متعارضة مع قصد النص وغايته.
على أنَّ البعد التاريخي للنص الديني لا يقف جامدًا في فترة ظهور النص، كما يتوهم أتباع النظرة التاريخانية(20)، ليسوِّغوا تطبيق المنهج التاريخاني الذي يعتبر أنَّ تفسير النص يجب أن يكون مرهوناً بتاريخه(21)، ويجب أن يكون ساكناً هناك لحظة ميلاده، بحيث لا يمكن فصل أيِّ نصٍّ عن تاريخه... هذا المنهج يصدُر عن نزعة وضعية تؤمن بأنَّ الأديان هي من صنع البشر، ويعتبرها إنشاءًا إنسانيًّا. وبالتالي يكون معنى النص الديني كأيِّ نص آخر مرهونًا بطبيعة الزمان والمكان الذي تشكَّل فيه.
إنَّ النص الديني (القرآني بوجه خاص) يحمل خصوصية تميزه وتمتدُّ به في عمقه الغيبـي والتاريخي ليتواصل مع مسيرته في الماضي والحاضر والمستقبل، ويجمعها في خيط واحد، «لأنَّ النص القرآني يحمل صفة اليقين المطلق، وكلُّ ما عداه يدور في فلكه، بينما يتحدَّد فضاء النص الأدبي عند لحظةٍ ينتهي فيها ليبدأ نصٌّ جديد.. والنص الديني فعلٌ في التاريخ، فعلٌ امتدادي يحمل طابع السيطرة المطلقة على الأفكار الأخرى، وهو رؤية ذات نزعة نهائية للعالم تُفسِّره وتغيِّرُه، بينما يحمل النص الأدبي محدوديَّته في التفسير والتغيير، ويحمل أيضًا نسبيته الذاتية والتاريخية»(22).
إنَّ الخطاب ”الحداثي“ على يد ”أدونيس“ و”أبي زيد“ و”أركون“ يحاول قراءة النص القرآني ونقده - ونقد الفكر الإسلامي بشكل عام - وهو مسكون بهاجس التحرُّر والتغيير، بدعوى تجديد آليات الفكر وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة.
وفي هذا الصدد يقول ”أركون“: «ينبغي علينا إعادة تشكيل علم الربوبية، وعلم ثيولوجيا الوحي، وعلم ثيولوجيا التاريخ، وثيولوجيا الأخلاق وفلسفة القانون، إلخ.. ولكي نُنجز كلَّ هذا العمل بشكل مُرْضٍ نحتاج أولاً إلى تشكيل علم لسانيات حديث للغة العربية، وتشكيل نظرية متماسكة للتأويل، وتشكيل علم سيميائيات الخطاب الديني، ثم تشكيل نظرية للرمز وأنتروبولوجيا سياسيَّة؛ مع نظرية متكاملة عن المشروعية العليا، والسلطات التنفذية والديالكتيك الذي يربط بينهما. كلُّ هذا نحتاجه، وكلُّ هذا لا يزال ينقصُنا في الساحة الإسلامية وفي الناحية العربية، وهذا يشكِّل بحدِّ ذاته برنامجاً ضخماً لمن يريد أن يعيد التفكير في ”الإسلام“ بالمعنى الجذري الاستراتيجي للكلمة»(23).
لن أدخل في تفاصيل الفكر النقدي الحداثي الذي يتبناه ”أركون“، ولا تصوره المثالي الخاص، وبالتالي حكمه على منتجات الفكر الإسلامي، ولكن أريد ملاحظة بعض النقاط التي استخلصتها من قراءته النقدية التفكيكة للنص القرآني:
أولاً: إنَّ قراءة ”أركون“ للنص القرآني تنطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية؛ بمعنى أنًّ النص القرآني ليس إلاَّ نصًا تشكَّل ”تاريخياً“ ضمن شروط معيَّنة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية.. مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي أو العباسي أو غيرها من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة.
ثانياً: وبناء على النقطة الأولى، تسنَّى لأركون إخضاع النص القرآني للنقد التفكيكي والقراءة الحفريَّة وإخضاعه «لمحكِّ النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلِّق بإنتاج المعنى وتوسُّعاته وتحوُّلاته وانهدامه»(24)، كما يهدف إلى «استنطاقه عن مشروطيته وحَدَثيـَّته، كاشفاً عن تاريخيـته الأكثر مادية ودُنيويَّة، والأكثر يوميَّة وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً»(25).
ثالثًا: أخضع أركون النص القرآني لمطرقة النقد والقراءة التفكيكية المسلَّحة بمنهج الشك المطلق، ابتداءًا من اعتبار ظاهرة الوحي نموذجًا للتعبير ”الـميثي“ ”الأسطوري“ «إنَّ الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الـميثي (الأسطوري)»(26) تمَّ إضفاء رداء القداسة عليه في ظروف تاريخية معينة.
ولقد استخدم ”أركون“ منهج الشك أيضًا في نقده للرواية الإسلامية لقصَّة جمع القرآن؛ معتبرًا أنَّها تمَّت بتدخُّلٍ سياسي إقصائي من الخليفة ”عثمان“ رضي الله عنه ، ويخلُص إلى ضرورة «إعادة كتابة قصَّة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصَّة الرسمية للتشكيل التي رسَّخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلَّب منا الرجوع إلى كلِّ الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصلٍ شيعي أم خارجي أم سنِّي. هكذا نتجنَّب كل حذف ”ثيولوجي“ لطرف ضدَّ آخر، المهم عندئذ هو التأكُّد من صحة الوثائق المستخدمة»(27).
ولم يسلم من مطرقة ”النقد الأركوني“ وقراءته التفكيكية أغلب الأصول الفكرية للإسلام مثل: ”الحديث“ و”القياس“ و”الإجماع“، كما تعرَّض لأصول الفقه، والمذاهب، والتاريخ، وامتدَّ إلى الصحابة، والفقهاء والأئمَّة، وطال العلماء وأفكارهم ومؤلَّفاتهم؛ فالحديث النبوي عنده قد تعرَّض «لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفيَّة التي فُرضت في ظلِّ الأمويين! وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية (كُتب الحديث) المدعوَّة بالصحيحة، لقد حدثت عملية الانتقاء والتصفية هذه لأسباب لغوية وأدبية وثيولوجية وتاريخية»..
وقد خلص ”أركون“ في الأخير إلى أنَّ هذا ”الحديث“، إضافة إلى الإجماع والقياس، «مبادئ غير قابلة للتطبيق»(28).
إنَّ دافع ”أركون“ الأساسي لهذه القراءة وهذا التوجه النقدي في مراجعة القرآن الكريم - حسب رأيي- إنَّما هو محاولة لإيجاد مجالٍ حيوي يلبِّي حاجته في استخدام ترسانته المعرفية الهامَّة والمتراكمة من العلوم الاجتماعية والإنسانية..، ومحاولة جادَّة لاستثمار المنهج التفكيكي الحفري ”الأركيولوجي“ بكل تفاصيله وملابساته في تأسيس منهجٍ نقدي جذري ”حداثي“ في التعامل مع الظاهرة القرآنية - ومع التراث العربي الإسلامي بشكل عام - تقوم على نقد بنيته التكوينية وآلياته المعيارية، ثم هدم وتفكيك مقوماته الأصيلة عن طريق إخضاعه للنموذجية العقلانية الغربية في التفكير.
إنَّ النقد الذي نوجِّهه للمشروع ”الأركوني“ والحداثي بصفة عامة، رغم الاعتراف بالمجهود العقلاني الفلسفي لسبر أغوار التغيرات المستجدَّة في أواخر القرن الماضي، ومدى استيعاب النظريات الغربية (الظواهرية، أو السميائية، أو التفكيكية..) والتحكُّم في مفاهيمها وآلياتها، وبضرورة التفتح على هذه النظريات و”تفكيك“ و”حفر“ بنياتها الأساسية وطرق تشكلها ومجالات استخدامها... إلاَّ أنَّ نقاد الحداثة لم يسلموا هم أيضًا - حين تعرَّضوا للنص القرآني- من سيطرة الوقع الأيديولوجي للنظرية التي يصدرون عنها، لذلك وجدنا أنَّ هذا التفكير قد اصطدم بعقبات كثيرة من بينها الموروث اللاهوتي الغيبـي للديانات مجتمعة من جهة، والثقافات السائدة حول هذه الديانات من ناحية أخرى، مـمَّا جعل عملية تطبيق هذه المناهج ضئيلة النتائج، لأنَّ الحرص على الطابع المنهجي كان أشدَّ من الحرص على النتائج والخلاصات النهائية.
إنَّ كتابات نقاد الحداثة تتضمَّن ”مشاريع بحوث“ بما تقدمه من مخطَّطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها؛ فهذا ”أركون“ يقول: «سوف أكتفي بالتنصيص على بعض المبادئ الحادَّة والقاطعة بهدف إثارة الاعتراضات والتحفُّظات، ومن ثَمَّ التفكير والمناقشة النقدية، أكثر مـمَّا أهدف إلى تقديم نتائج وإجابات جاهزة»(29).
إنَّ الروح النقدية ـــ بجميع مستوياتها ـــ تسيطر بشكل خطير على سيرورة الخطاب الحداثي وتُوجِّهُه بكيفية آلية عبر متاهاتها الغامضة لينبثق عنها ما يمكن اعتباره ”توتُّراً نقدياً“ من الدرجة العليا، غايته ”هدم“ أساسيات العقل الإسلامي وكلِّ ما أنتجه من تراث فكري؛ فالمطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر، إضافة إلى كونها تعبِّر عن نوع من الهزيمة الفكرية والاستلاب الثقافي، فإنها تساهم في تأكيد الصورة الثبوتية والمنغلقة للإسلام وتراثه؛ من حيث إنَّه لا ينهض ولا يتطوَّر إلاَّ بتفعيل أدوات ”مستوردة“ ومفصولة عنه حتى يمكن التفكير فيه بطريقة ”علمية“؛ أي أنه لا يملك أدواته الخاصَّة انطلاقاً من تفاعل عناصره الداخلية بالشكل الذي يفجِّر القوى الكامنة فيه ويبرزها للتفاعل الإيجابي مع ما يقدِّمه الآخر من نظريات، وكلُّ ذلك في سبيل صياغة منهج متكامل وواضح المعالم، ينطلق من النص كفاعلية ويجعل من قاعدة الاجتهاد المقنَّن حافزًا لتفعيل حركية الوعي بأشكاله المختلفة، ثم يرتقي بالتأويل إلى درجة من العقلانية تسقط فيها الحدود وتزول التقسيمات المفتعلة: بين المادة والروح، وبين الظاهر والباطن، وبين العقل والنقل..
رابعًا: حول ثنائية النقل والعقل:
لقد حُظيت قضية النقل والعقل باهتمام الفكر الحداثي العربي، وأثيرت أهمية ومصداقية كلٍّ منهما، فإذا كانت المدرسة العربية في التفسير بالنقل تقرُّ بضرورة ”تخصُّص“ التفسير بالنقل، وإذا كانت مدرسة التفسير بالعقل تقرُّ بضرورة ”عقلنة“ النقل، فما وافق العقل من النقول اعتُدَّ به في التفسير والتأويل وما خالف العقل لم يؤخذ به.. ثم كان أهل السلوك والتفسير الإشاري من الصوفية قد اعتمدوا العرفان والترقِّي بالنفس لإدراك الحقائق النورانية للقرآن بغير سندٍ عقليٍّ ولا حجَّة نقلية... واستمر التجاذب بين هذه الأطراف ولو في الخفاء، حتى عصرنا الحديث بحيث استوعب بعض النقاد العقلانية الغربية الثائرة على سلطة الكنيسة وعلى سيطرة النصوص المقدسة على حياة الإنسان الغربي، فرأى هؤلاء النقَّاد أنَّ الوصول إلى العلمية والموضوعية لفهم النصوص بشكل عام ـــ والنص القرآني بشكلٍ خاص ــ لا يتمُّ ببعث النقول والمأثورات والاعتداد بفهوم القدماء، فهي تعبِّر عن عصرهم وانشغالاتهم، وأنَّها غير قادرة على تقديم الحلول المناسبة لتطورات العصر، والإجابة على أسئلة وانشغالات أهله، بل بالمقابل يرى بعضهم أنَّ النقول تشكِّل سلطة دينية تُعيق قدرة العقل على التطوُّر والإبداع، لذلك وجدنا أنَّ الخطاب الحداثي العربي في مقاربته النص القرآني يسعى حثيثًا إلى التحرُّر من سلطة النصوص الدينية ومن مرجعيَّتها الشاملة، ويؤكِّد على ضرورة ”أنسنة“ النصوص السماوية لإزالة كلِّ الغيبيات والمقدَّسات التي لا تخضع لسلطة العقل، ودون هذه الممارسة فإنَّه ليس بإمكان العقل الانطلاق حرًّا يتجادل مع الطبيعة في مجال العلوم الإنسانية عمومًا، وفي مجال النصوص الدينية بصفة خاصة.
يقول نصر حامد أبو زيد: «إذا كان الاستناد إلى سلطة النصوص يعني أنَّ الماضي هو الذي يصوغ الحاضر دائمًا، فإنَّ الاستناد لسلطة العقل يعني قدرة الحاضر الدائمة على صياغة القوانين التي تناسبه»(30).. إنَّ النقول الإسلامية لا يمكن حسب ”أبي زيد“ أن تساعد في حلِّ المشكلات المعاصرة بل هي تعقِّدها أكثر؛ «إنَّ حلَّ مشكلات الواقع إذا ظلَّ يعتمد على مرجعية النصوص الإسلامية يؤدِّي إلى تعقيد المشكلات حتَّى مع التسليم بأنَّ الخطاب يقدِّم حلولاً ناجعة»(31)، ذلك لأنَّه يعتبر الوعي العربي الراهن عاجزًا حتى اليوم عن محاولة فهم النص القرآني فهمًا علميًّا من الواقع والثقافة بغضِّ النظر عن أزلية النص ووجوده ”الأسطوري“ السابق في العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ.
إنَّ ”حساسية“ أبي زيد تجاه النقل جعلته يؤكِّد أنَّ العقل «هو السلطة التي يتأسس عليها الوحي ذاته»(32)، ذلك لأنَّ سلطة العقل حسب اعتقاده هي السلطة الوحيدة التي تُفهم على أساسه النصوص الدينية.
أمَّا ”أدونيس“ فقد أشار أثناء انشغاله بجدلية ”الثبات والتحوُّل“ إلى رفضه للغيبيات وتفضيله ”الإلحاد“؛ فالإلحاد في نظره «عودة إلى الإنسان في طبيعته الأصليَّة، وإلى الإيمان به من حيث هو إنسان، فما دام الإنسان تابعًا للغيب لا يمكنه أن يكون إنسانًا (...) فالإلحاد لذلك ثورة حقيقية تهدف إلى أن تهدم سلطة يمارسها الإنسان باسم الوحي على الإنسان، أو يمارسها باسم الغيب على الواقع»(33). إنَّ أدونيس لا يُحِلُّ العقل محلَّ المرويات من النقول فحسب، بل يُحِلُّه محلَّ الغيب بما فيه الوحي الإلهي والنبوءة، ويحلُّ الإنسان محلَّ الله، فالإلحاد نواة حياة المستقبل وفكر المستقبل.. لذلك فهو يرى أنَّ الثقافة العربية لم تعرف التجديد والتطوُّر والنهضة إلاَّ على أيدي أصحاب المذاهب ”الباطنية“ و”الإشراقية“ و”الحلولية“ التي تخلَّصت وتحرَّرت من سلطة النص الديني بصفته وحيًا من الغيب.
خامسًا: الاجتهاد في النصوص المحكمة:
ولقد انسحب السجال حول العقل والنقل إلى قضية ”الاجتهاد“، فإنَّ الاجتهاد حسب ما سبق من آراء نقاد الحداثة يكون ممارسة عقلانية ذات طابع علماني تحرُّري تنويري، ولا يتدخَّل النقل إلاَّ ليُعيق الاجتهاد ويحدَّه بوضع النصوص وتصنيفها تحت خانات المحكم والمتشابه.. ما يجوز فيه الاجتهاد وما لا يجوز... لذا نجد ”أبا زيد“ يتخطَّى هذه التقسيمات ويرى ضرورة إخضاع جميع النصوص لمحكِّ العقل، وفتح باب الاجتهاد ليس في الأحكام والتشريعات فحسب بل وفي الأصول والعقائد أيضًا، وفي هذا لا فرق لديه بين النصوص المتشابهة الظنية الدلالة، والنصوص قطعية الدلالة كالقصص القرآني، والعقائد، والضروريات، وأمثلة نداءاته بهذه الاجتهادات في كتبه عديدةٌ، منها إثارته قضية وجوب الاجتهاد في ميراث البنت؛ حيث يقول: «لا يجوز أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي، وإلاَّ انهارت دعوى الصلاحية لكلِّ زمان ومكان (...) واتَّسعت الفجوة بين الواقع المتحرِّك والمتطوِّر، وبين النصوص التي يتمسَّك الخطاب الديني المعاصر بحرفيتها»(34).
إنَّ النزعة العقلية ”المتطرِّفة“ التي يصدر عنها ”أبو زيد“ أوقعته في تناقضات خطيرة؛ فهو يجمع بين الدعوة إلى فهم الوحي على أساس العقل وحده(35)، وبين رفض أن يكون للعقل أحكامًا نهائية وقطعية.. وإذ كان المعتقد الديني لا يتأسس إلاَّ على أحكام قطعية ثابتة(36)، فكيف يمكن الاعتماد في هذا التأسيس على العقل الذي لا يملك هذا القطع والثبوت؟ يقول أبو زيد: «... لابد من العودة إلى الأصول والاحتكام لها؛ والأصل والبدء هو سلطة العقل، السلطةُ التي يتأسَّس عليها الوحيُ ذاته، (...) هذه السلطة قابلة للخطأ، لكنها بنفس الدرجة قادرة على تصويب أخطائها، والأهم من ذلك أنَّها وسيلتنا الوحيدة للفهم؛ فهم العالم والواقع وأنفسنا والنصوص، ولأنها سلطة اجتماعية تاريخية فإنَّها ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة، إنها تتعامل مع العالم والواقع (الاجتماعي والطبيعي) والنصوص بوصفها مشروعات مفتوحة متجدِّدة قابلة دائما للاكتشاف والفحص والتأويل»(37).
سادسًا: بين المنقول والمعقول نقد ما بعد الحداثة:
لقد ظنَّ نقاد الحداثة العربية ومفكروها أنَّ التفكير العقلي وحده بإماكنه بعث الحياة العربية والإسلامية، بحيث يتمُّ التعامل مع النصوص بنفي المنقول أو ”اللامعقول“، وذلك بناءً على اعتقاد واهم بأنَّ ثـمَّة عقلاً خالصًا، وأنَّ ثـمَّة فكرًا ”علميًّا“ ينظر إلى حقيقة الأشياء بصورة نهائية... والحقيقة إنَّ نفيَ النقل وإقصاءَه من الحياة العقلية لا يؤدِّي إلاَّ إلى أعادة أنتاج وصياغة النقول بأسلوبٍ مشوَّه متطرِّف.. فالغيب والوحي والمرويات من النقول تشكِّل مجتمعةً مرجعية العقل العربي، كما تشكِّل الرموز والمقدَّسات و”الغيبيات“ جزءًا من حياة الإنسان بعامَّة، ولا يؤدِّي إنكار النقول وإقصاؤها ــ حسب رأيي ــ إلاَّ إلى بروزها على السطح ولكن بصورة مشوَّهة تكرِّس سلطان الوهم والخرافة والتعصُّب؛ والواقع العربي اليوم شاهد على سيطرة أنواع غريبة من الغيبيات والسحر والأوهام... قد يكون من بين أسباب انتشارها ــ كما أوردنا في بداية البحث ــ ردُّ الفعل السلبيِّ لمحاولات إقصاء الرصيد الحقيقي الذي يؤمن به الإنسان العربي المسلم من أمور الغيب الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة كأمور الوحي، والنبوءة، والوعد والوعيد، وأحوال الآخرة...
كما أنَّ الإيمان بالنقول واستحضار أهميتها بمحاورتها واستثمارها سمة أصيلة في الإنسان لا يمكنه الانفكاك عنها، فلا ثقافة من دون محرَّمات ومقدَّسات، كما لا وعي بدون أصولٍ رمزية وغيبية، فالعقل لا يمكن أن يبدأ من الصفر بل يتأسس بالضرورة على نقلٍ سابق.
إنَّ الميل إلى النقل يعكس ميلاً متجذِّرًا في الطبيعة الإنسانية إلى إكبار التراث والمحافظة عليه والتعلُّق بالأولين والاهتداء بهم، وهذا ميلٌ راسخ في النفس؛ فكلُّ فردٍ مقلِّدٌ قدرًا من التقليد، وكلُّ مجتمع يميل إلى المحافظة قدرًا من الميل، وليس هذا حكرًا على المجتمعات الشرقية أو البدائية كما يُظَنُّ؛ بل قد نجده عند أشدِّ أتباع العقلانية والعلمانية حماسة، إذ يحلُّ العقل محلَّ الكلام الإلهي ويحمل العلم - أحيانًا- طابع القداسة، وتتحوَّل النصوص الوضعية والآراء والمفاهيم إلى نصوص مقدَّسة(38)، وتكتسي المذاهب الإنسانية من الهيبة والإجلال ما تكتسيه الأديان... وهكذا نرى أنَّ الحضارة برمَّتها لا تنبني على العقل وحده، بل يمكن أن نقول إنَّ المقدَّسات والرموز ــ مادية كانت أم معنوية ــ تلعب دورًا أكبر في تحريك العقل وإقامة الحضارات.
وإذا حلَّلنا قضية النقل والعقل التي يثيرها اليوم نقاد ومفكري الحداثة وجدنا من جهة ثانية أن لا نقل منـزَّهٌ عن تأثير العقل؛ فإذا كان الغيب خارجٌ عن دائرة البرهان فإنَّ التسليم والتصديق به ضربٌ من التصوُّر له، ولا تصوُّر من غير تصديق، كما أنَّ الوحي الذي يشكِّل أصل الاعتقاد وأساس الشريعة يستدعي من العقل أن ينظر إليه باعتباره حقيقة ثابتة، فلا شرع إلاَّ والعقل مُتضمَّنٌ فيه ويحثُّ عليه ويُوجبه، حسب ما تدعو إليه الآيات القرآنية العديدة، وهذه قضية لا خلاف عليها، فالمقلِّد والمفسر بالنقل محتاجٌ لا محالة إلى العقل، إذ بالعقل يُتبيَّن الشرع، وتُستنبط الفروع من الأصول في مجال الأحكام.
خــــــاتــــمـــة:
في الأخير أرى من الأمانة الإشارة إلى أنَّ فشل المدرسة الحداثية العربية في تطبيق المناهج المعاصرة في فهم النص القرآني لا ينبع بالضرورة من طبيعة الإمكانات المعرفية لتلك المناهج، بل كان في كثير من الأحيان بسبب الخلفيات الاعتقادية لبعض المفكرين، والتي جعلت من تلك المناهج مجرَّد أدوات للدعوة إليها واستعراض مدى استيعابها، فأساءت كثيراً لهذه المناهج، وحجبت كثيرًا من الباحثين المسلمين من الاستفادة منها.
وكان في المقابل تقييمُ القارئ العربي المسلم ”للمناهج الغربية“ وجدواها في دراسة القرآن الكريم غالبًا تقييمًا غير موضوعيٍّ، لأنَّه كان يرتبط بالنتائج الفاشلة لمثل هذه التطبيقات، وهذا ما يبرِّر الحساسية من استخدام تلك المناهج في دراسة القرآن الكريم؛ إذ «يُنظر إليها تلقائياً بأنَّها رغبة علمانية وليست علمية!»(39).
ثمَّ إنَّ الانصاف يفرض علينا الإقرار بأنَّ الفكر النقدي العربي الحديث لم يخلُ من أسسٍ علمية موضوعية؛ أسسٍ لا يمكن التقليل من أهميتها خاصَّة في إعادة ضبط العلاقة بين القارئ والنص، وفي النظرة التحقيقية للتراث العربي، وإنَّما نرى أنَّ على ”التجديد“ أن يمدَّ جذوره في الأصل ويسعى إلى اكتشافه، ويعود إلى النصوص التراثية لا ليتمثَّلها كما هي بل يعتبرها إمكانًا مفتوحًا لا ينفد من الدلالات، والمفكِّر الحقُّ من ينطلق من الأسس ويعود إلى البدايات، لأنَّ العقل لا ينفصل عن ماضيه، ولا يتنكَّر له.

المراجع:
أبو زيد. نصر حامد:
أ- «فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط4. 1998.
ب- «النص، السلطة، الحقيقة». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1. 2001.
ج - «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». المركز الثقافي العربي. بيروت. الدار البيضاء. ط 2. 1994م.
د- «نقد الخطاب الديني». مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3. 1995.
أدونيس:
أ- «الثابت والمتحوِّل، الأصول». دار العودة، بيروت. ط1. 1974.
ب - «النص القرآني وآفاق الكتابة». نشر دار الآداب. بيروت لبنان. ط1. 1993. ص: 17.
أركون. محمد:
أ- «تاريخية الفكر العربي والإسلامي». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي. بيروت، الدار البيضاء. ط2. 1996.
ب - «الفكر الإسلامي، قراءة علميَّة». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء. ط 2، 1996م.
إيكو، أمبرتو: «التأويل بين السميائيات والتفكيكية». ص: 80.
الخولي. أمين: «التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوره». دار الكتاب اللبناني. بيروت. لبنان. ط1. 1982م.
تامر. فاضل: «اللغة الثانية، في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث».
طه. حسين: «في الشعر الجاهلي». منشور في مجلة القاهرة. (د.د.ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع: 149.

مواقع إنترنت:
1- الأتاسي. محمد علي: «القرآن نص تاريخي وثقافي»، مقابلة مع نصر حامد أبو زيد:
http://maaber.50megs.com/indexa/al_dalil_a.htm.
2- بوراس. محمد: «محمد أركون ومشروعه النقدي»:
http://alarabnews.com/alshaab/
3- عبد الرحمن. الحاج إبراهيم: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله»:
http://www.almultaka.net/web/makalat2.htm
4- الهاشمي. كامل: «نقد الاتجاهات النصوصية في تأسيس المعتقد الديني»:
http://www.darislam.com/home/alfekr/data/feker10/.


--------------------
الهوامش
1- لمزيد من التعمق والتفصيل حول إشكاليات قراءة وفهم القرآن الكريم قديمًا وحديثًا نحيل القارئ على بحثنا للماجستير المعنون بـ: «فعالية القراءة وإشكالية تحديد المعنى في النص القرآني». معهد اللغة العربية وآدابها. جامعة الجزائر.
2- نستخدم مصطلح «السلفية» هنا ليس بالمفهوم المتداول في الفكر العربي بمعنى مطابق لـ : «الإسلامي» أو «الأصولي»، أو بمعنى آخر كالذي طرحه محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر»، ولا هو مطابق لمصطلح «الوهابية»، بل هو : وصفٌ لذلك التيار العريض الذي يَصدُر عن تصوُّر للعالم تنحصر فيه كلُّ المرجعيات في إطار ”السلف“ أو الأوائل, سواء أكان هذا السلف القرون الثلاثة الأولى، أم التراث كلُّه حتى عصر النهضة، ويكتفي بهذه المرجعية دون غيرها وبشكل واع. كما نعني بلفظ التراث نتاج السلف تحديدًا، ولا يدخل في التراث نصوصُ الوحي؛ فالتراث نتاجٌ إنساني محض.
3- الخولي، أمين: «التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوره». دار الكتاب اللبناني. بيروت. لبنان. ط1. 1982م. ص: 75.
4- طه، حسين: «في الشعر الجاهلي». منشور في مجلة القاهرة. (د.د.ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع: 149. ص: 31.
5- انظر في هذا الصدد مؤلَّفات سيد قطب: «التصوير الفني في القرآن الكريم»، «مشاهد القيامة في القرآن الكريم»، وتفسيره المشهور «في ظلال القرآن».
6- أقصد بالنهضويين المفسرين وعلماء الدراسات القرآنية من أتباع محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، مرورًا بسيد قطب، وصولاً إلى أعلام التفسير في العصر الحديث من أمثال: الشعراوي، وعائشة عبد الرحمن، والطاهر بن عاشور ، وابن باديس، وبيوض، ممن حاول ”إصلاح“ وتغيير منهج التفسير بالأخذ والاعتبار بإنجازات العلم الحديثة مع عدم إنكار لمجهودات القدماء.
7- من أتباع الحداثة من يرى في تأويلات بعض المفسرين القدماء - دون غيرهم - طفرة نوعية تُقارب في رُقيِّها البعد والفكر الحداثي، من هؤلاء المفسرين ”محي الدين ابن عربي“ الذي تجاوز ثنائيات الصراع التقليدي: الغيب/ الشهادة، والواقع/ الخيال، والخالق/ الوجود... وقد «انتهى ابن عربي إلى عقيدة الحبِّ الشاملة، والدين العالمي المفتوح، والرحمة الإلهية التي فُتح بها الوجود وإليها يؤول...». انظر نصر حامد أبو زيد: «فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي». ص: 212، 213.
8- أبو زيد، نصر حامد: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». المركز الثقافي العربي. بيروت. الدار البيضاء. ط 2. 1994م. ص: 24.
9- م ن. ص: 10.
10- م ن. ص: 24.
11- أركون، محمد: «الفكر الإسلامي، قراءة علميَّة». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء. ط 2، 1996م. ص: 191.
12- يعترف الدكتور أبو زيد بتأثِّره بآراء المفكر أركون، ورغم نقده لبعض طروحاته فإنَّه كثيرًا ما يستخدم مصطلحاته الفكرية في دراساته النقدية، فهو يقول لمحاوِره: «إنِّي مدين له كثيراً في موضوع المنهج، لكن انشغال أركون بهذا الموضوع لا يسمح له بالاشتغال كثيراً بما وراء ذلك. أنت يمكن أن تبذُل عمرك كلَّه في الكلام عن الوصفة والمقادير... أنا أحب أن أدخل المطبخ وأجرِّب!». «القرآن نص تاريخي وثقافي»، مقابلة مع نصر حامد أبو زيد، محمد علي الأتاسي، منشورة في موقع الويب ”معابـر“:
(http://maaber.50megs.com/indexa/al_dalil_a.htm).
13- أبو زيد، نصر حامد: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». ص: 27.
14- ولقد بيَّنا رأينا المخالف في هذه المسألة والتي هي في الحقيقة من آثار دراسات المستشرقين التي يرى أصحابها أنَّ النص القرآني من ”نتاج“ الثقافة العربية فهي من التراث العربي، وقد تأثر بهذه النظرة بعض المفكرين والنقاد العرب المحدثين. انظر أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». نشر دار الآداب. بيروت لبنان. ط1. 1993. ص: 17.
15- أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». ص: 42.
16- أبو زيد، نصر حامد: «النص، السلطة، الحقيقة». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1. 2001. ص: 92.
17- لا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل الانتقادات الموجَّهة للنظريات الـمُقصية للمؤلِّف المبدع، وبالخصوص مقولة موت المؤلِّف، إلاَّ أني أحيل إلى الباحث الإيطالي ”أمبرتو إيكو“ الذي يقرِّر في معرض ردِّه على النظريات المغالية في الاعتداد بالقارئ بأنَّه «سيكون أمرًا فظيعًا إذا نحن أقصينا الكاتب المسكين باعتباره شيئًا لا موقع له داخل تاريخ التأويل. فهناك حالات داخل سيرورة الإبلاغ، يصبح التعرُّف فيها على نوايا المتكلم أمرًا في غاية الأهمية...». إيكو، أمبرتو: «التأويل بين السميائيات والتفكيكية». ص: 80.
18- نقلاً عن: أبو زيد، نصر حامد: «نقد الخطاب الديني». مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3. 1995. ص: 202.
19- أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». ص: 35، 36.
20- ينظر: الحاج إبراهيم، عبد الرحمن: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله». بحث مستنسخ من موقع الويب ”الملتقى“:
http://www.almultaka.net/web/makalat2.htm
21- لا بد من الإشارة هنا إلى الفرق بين الاهتمام بالتاريخ و”التاريخانية“ فالتاريخانية تركِّز على الجانب العقلاني الوضعي وحده مـمَّا يصل بالنص إلى الجمود والتحجُّر في الزمان والمكان، بينما الاهتمام بالتاريخ هو الاهتمام بالنص وبالنقل أيضًا من مدارسة للأحاديث الشارحة، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ... على أنَّ ”التاريخانية“ كما يعرِّفها تامر فاضل: «نزعة تاريخية متطرِّفة، وغالبًا ما تكون ذات منحى أحادي يبالغ في إبراز حجم المؤثِّر التاريخي في تشكيل الظاهرة التاريخية، ويمكن أن نلمس ذلك في إسراف التأويلات الداروينية المتطرفة وتطبيقاتها على الظواهر الاجتماعية والثقافية». انظر: تامر، فاضل: «اللغة الثانية، في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث». ص:154.
22- بوراس، محمد: «محمد أركون ومشروعه النقدي». بحث منشور في موقع الويب:
http://alarabnews.com/alshaab
النص نقلاً عن كتاب أركون: «الإسلام: الأخلاق والسياسة»، ص: 185.
2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadouq.mam9.com
 
فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي - قراءة نقدية لبعض الآراء
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع العربي :: منتدى التعليم العالي :: شعبة الدراسات الاسلامية :: منتدى البحث الجامعي-
انتقل الى: