منتدى الابداع العربي


شاطر | 
 

 بحثاسلامي مهم في اثبات ان الله موجود في كل مكان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 320
النشاط : 0
تاريخ التسجيل : 19/06/2010
العمر : 30

مُساهمةموضوع: بحثاسلامي مهم في اثبات ان الله موجود في كل مكان   الإثنين أكتوبر 25, 2010 9:37 pm

المنتدى : الدروس المطبوعة
بحث جامعي مهم في بيان أن الله موجود بلا مكان

--------------------------------------------------------------------------------


قال الله تعالى (( ليس كَمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّمِيعُ البصير ))[الشُّورى/11]..



فالله ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفاتٍ تَدُلُّ كلُّها على الكمال ، كالوَحدانيَّةِ والسَّمْعِ والبصَرِ والكلامِ والحياةِ والمشيئة ، مُنَزَّهٌ عن الصِّفاتِ التي لا تَليقُ بهِ كالصَّمَمِ والعَمَى والبَكَمِ والموتِ والعَجْزِ والتغَيُّرِ . فالله تعالى شيءٌ لا يشبهُ الأشياء . نعم ، الله تعالى شيء ، أي مَوْجُودٌ ، ولكنَّه لا يشبهُ الأشياء ، أي لا يشبهُ الموجودات .



قال الله تعالى (( قُلْ أَيُّ شيءٍ أكبرُ شَهَادَةً قُلِ اللـهُ شهيدٌ بيني وبينَكم ))[الأنعام/19]..



معناهُ : قُلْ يا مُحَمَّدُ لهؤلاء المشركينَ الذينَ يُكَذِّبونكَ أَيُّ شيء أعظمُ شهادةً وأكبر . ثمَّ أخبرهم ، يا محمَّد ، بأنَّ الله هو أكبرُ الأشياء شهادةً لأنه لا يجوزُ أنْ يقعَ في شهادتهِ ما يجوزُ أنْ يقعَ في شهادةِ غيرِه من السَّهْوِ والخَطَإ والغَلَطِ والكَذِب . . ثمَّ قُلْ لهم إنَّ الذي هو أكبرُ الأشياء شهادةً شهيدٌ بيني وبينَكم بالمُحِقِّ مِنَّا من المُبْطِلِ والرَّشيدِ منَّا في فعلهِ وقولهِ من السَّفيهِ وقد رَضِينا بهِ حَكَمًا بينَنا .



قَوْلُ أهلِ الحَقِّ :" إنَّ الله شيءٌ " معناهُ مَوْجُودٌ . اعلموا هذا . واعلموا أَنَّ الله لا بدايةَ لوجوده . وعندما نقول :" إنَّ الله لا بدايةَ لوجوده " لا نعني بذلك أنَّ وُجُودَهُ مقترنٌ بالزَّمانِ وأنَّ الزَّمانَ لا بدايةَ له . بل نعني أنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق . وهو معنى قول العلماء :" إنَّ الله أزليٌّ قديم " .



قولُ العلماء :" إنَّ الله أزليٌّ قديم " معناهُ مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق . أمَّا الزَّمانُ فهو مخلوقٌ لله ، لم يَكُنْ ثمَّ كانَ . فقبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ لم يَكُنْ زمانٌ ولا مكان . قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ كانَ الله ولم يَكُنْ شيءٌ قبلَه . قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ كانَ الله وَحْدَهُ ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه . قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ كانَ الله وَحْدَهُ ولم يَكُنْ مَعَهُ شيءٌ : لا زَمانٌ ولا فضاءٌ ولا فراغٌ ولا إنسٌ ولا جنٌّ ولا ملائكةٌ ولا ضَوْءٌ ولا ظلامٌ ولا جهاتٌ ولا أبعادٌ . لم يَكُنْ مكانٌ ولم يَكُنْ زَمانٌ .



قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ الضَّوْءُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الضَّوْءَ . والله ليسَ ضَوْءًا . الشَّيءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .


قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ الظَّلامُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الظَّلامَ . والله ليسَ ظلامًا . الشَّيءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .


قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ الرُّوحُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الرُّوحَ . والله ليسَ رُوحًا . الشَّيءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .


قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ الماءُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الماء . والله ليسَ ماءً . الشَّيءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ المادَّةُ لم تَكُنْ . الله خَلَقَ المادَّةَ . والله ليسَ مادَّةً . الشَّيءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .



إنَّ أَوَّلَ شيء خَلَقَهُ الله تعالى الماء . إنَّ الله لم يخلقْ شيئًا ممَّا خَلَقَ قبلَ الماء . ولا نعني بالماء هذا الماءَ الذي نحنُ نشربُه في هذه الأرض . وإنما هو الماء الذي منه خُلِقَ سائرُ العالم كالعَرْشِ والقلمِ الأَعْلى واللَّوْحِ المحفوظِ والضَّوءِ والظَّلامِ والماءِ الذي نحنُ نشربُه في الأرضِ وسائرِ الأجسام الكثيفةِ والأجسامِ اللَّطيفة . فكانَ ذاكَ الماءُ أصلًا لغيرِه . ذاكَ الماءُ هو أَصْلُ العالم . والله ليسَ أصلًا لغيرِه . بل هو خالقُ الأصْلِ والفَرْعِ . ذلكَ الماءُ أَصْلٌ لغيرِه . والله خَلَقَهُ من غيرِ أَصْلٍ . ولمَّا خَلَقَ الله ذلكَ الماءَ خُلِقَ المَكَانُ . الله خَلَقَهُ .



ولمَّا خَلَقَ الله ذلكَ الماءَ خُلِقَ الزَّمانُ . الله خَلَقَهُ . بوجودِ الماء الذي هو أصلُ العالم وُجِـدَ الزَّمانُ والمَكان . وأَمَّا قبلَ هذا الماء فلم يَكُنْ زَمانٌ ولم يَكُنْ مَكانٌ .



ثَبَتَ في (صحيحِ البُخَارِيِّ) عَنْ رسول الله أنه قال لمَّا سُئِلَ عن بَدْء هذا الأمر :" كان الله ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه " .. وفي روايةٍ عندَه :" كانَ اللـهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ قبلَهُ " ..



وثَبَتَ عن رسول الله أنه قال :" إنَّ الله لم يخلقْ شيئًا مِمَّا خَلَقَ قبلَ الماء " .



أَوْرَدَهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ على أنه صحيحٌ أو حَسَنٌ عندَه وذلك في[(فتحِ الباري)/كتاب بَدْء الخَلْقِ]عندَ ذِكْرِ حديث :" كان الله ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه وكان عرشُه على الماء " .



وكذلك ثَبَتَ عنه ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنه قال :" كُلُّ شيء خُلِقَ من ماء " ، رواه أحمدُ في (مسندِه) .. ورَوَاهُ الإمامُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه) وصَحَّحَه بلفظ :" إنَّ الله تعالى خَلَقَ كُلَّ شيء من الماء " ..



نحنُ نعتقدُ في الله الأَزَلِيَّةَ ونعتقدُ في العالمِ الحُدُوثَ . نحنُ نعتقدُ في الله القِدَمَ ونعتقدُ في العَالَمِ الحُدُوثَ أيْ نعتقدُ في العَالَمِ أنه مخلوقٌ لله كانَ معدومًا والله أبرزهُ من العَدَمِ إلى الوُجُودِ فصارَ مَوْجُودًا مخلوقًا . ونعتقدُ في الله أنه لا بدايةَ لوُجُودِهِ ، أَيْ نعتقدُ أنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوقٍ لم يسبقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ وما سوى الله حادثٌ أيْ مخلوق .


ومن الكُفْرِ المنافي للإسلام اعتقادُ الحُدُوثِ في الله .. اعتقادُ أنَّ الله لم يَكُنْ ثمَّ كان من الكُفْرِ المنافي للإيمان .. لا يَصِحُّ إسلامٌ مَعَ اعتقادِ أنَّ الله سَبَقَ وُجُودَهُ عَدَمٌ .. وما دامَ في قلبِ العبدِ هذا الاعتقادُ الكُفْرِيُّ فالشَّهادتانِ لا تنفعانِ هذا الكافرَ ولو تلفَّظ بهما ءالافَ المَرَّات . وليسَ جَهْلُ هذا الذي اعتقدَ في الله الحُدُوثَ عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليه بالكفر . جهلُه بالإسلامِ وبعقيدةِ التنـزيهِ ليسَ عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليهِ بالكفر . بل هو غيرُ مسلم ، هو كافرٌ غيرُ مؤمن ، ولو كان جاهلًا بعقيدةِ التنـزيهِ حَتَّى ولو كان جاهلًا بأنه كافر . ولو كانَ يُرَدِّدُ الشَّهادَتينِ في اليومِ ءالافَ المَرَّات . ومن المعلومِ القطعيِّ أنَّ الإنسانَ لا يكونُ مسلمًا لمجرَّد ظنِّهِ بنفسهِ أنه مسلم ، بل لا بُدَّ له من شروط ، أهمُّها أنْ يَخْلُوَ قَلْبُهُ من كُلِّ اعتقادٍ فيهِ نسبةُ النقصِ إلى الله ومن كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ ءاخَر .
واعلمُوا أَنَّ ما يَرِدُ على قلبِ المُؤْمنِ من دُون إرادة منه من الخواطرِ القبيحةِ ممَّا يَكْرَهُهُ لا يُؤَاخَذُ به ولا يُكْتَبُ عليه من تلكَ الخَواطرِ شيء . بل للمؤمنِ ثوابٌ بكراهيتهِ للخاطرِ الخبيث .


رَوَى الإمامُ أحمدُ في[(المسند)/كتاب باقي مسند المكثرين]عن أبي هُرَيرَةَ عن رسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنه قال :" يأتي الشَّيطانُ أحدَكم فيقول : مَنْ خَلَقَ السَّماءَ ؟؟، فيقولُ المؤمنُ : الله .. فيقول الشَّيطانُ : مَنْ خَلَقَ الأرضَ ؟؟، فيقولُ المؤمنُ : الله .. فيقول الشَّيطانُ : مَنْ خَلَقَ اللـهَ ؟؟. فَمَنْ وَجَدَ من ذلكَ شيئًا فليقلْ ءامنتُ بالله ورَسُولهِ "



ورَوَى مثلَه مسلمٌ في[(صحيحه)/كتاب الإيمان]، والبخاريُّ في[(صحيحه)/كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّـنَّة]..



ومعنى الحديثِ أَنَّ المؤمنَ يجبُ عليه أَنْ يَثْبُتَ على اعتقاد أَنَّ الله أَزَليٌّ قديمٌ لا بدايةَ لوُجُوده . معنى الحديث أَنَّ المؤمنَ يجبُ عليه أَنْ يَثْبُتَ على اعتقادِ أَنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق لم يَسْبقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ . وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه لا يَصِحُّ أَنْ يُسْأَلَ عن الله تعالى بـ(((متى كان ؟؟))) . لأنه سؤالٌ يتضمَّن كُفْـرًا وخُروجًا عن حكمِ العقل .



ورَوَى الإمامُ مسلمٌ أيضًا في (صحيحه) عن أبي هرَيرةَ أنه قال :" جاء أناسٌ من أصحاب النبيِّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقالوا له : إننا نجدُ في أنفسنا ما يَتَعاظَمُ أَحَدُنا أَنْ يَتَكَلَّمَ به _ أَيْ من وَسْوَسَاتِ الشَّيطان وخواطرِه _ .. فقال عليه الصَّلاة والسَّلام : وقد وَجَدْتمُوهُ ؟؟.. قالوا : نعم ..



قال : ذاكَ صَريحُ الإيمان " .



يعني أنَّ كَرَاهِيَةَ هذه الخواطرِ الخبيثةِ علامةُ الإيمان . وأَمَّا الشَّكُّ في وُجُودِ الله أو قِدَمهِ أو مخالفتهِ للمخلوقاتِ فهو كُفْرٌ مخرجٌ من دينِ الإسلام .



الإنسان يجبُ عليه أَنْ يجزِمَ بأنَّ الله أَزَليٌّ قديمٌ أيْ مَوْجُودٌ غيرُ مخلوقٍ وبأنه لا يشبهُ العالمَ بوجهٍ من الوُجُوه . أمَّا إذا شَكَّ في الله هل هو قديمٌ لا بدايةَ لوجوده أم لا ؟؟. هل لله شبيهٌ أم لا ؟؟. فإنه كافـرٌ غير مسلم . وكافرٌ مَنْ لم يعتبرْه كافرًا .



قال الله تعالى (( أفي الله شَكٌّ ))[إبراهيم/10]. معناهُ ليسَ لَكُمْ أنْ تَشُكُّوا في وُجُودِ الله ..



وقال الله تعالى (( إنما المؤمنونَ الذينَ ءامنوا بالله ورَسُولهِ ثمَّ لم يَرتابوا ))[الحُجُرات/15].



فأعلمَنا بقولهِ (( ثمَّ لم يرتابوا )) أَنَّ الإيمانَ لا يَصِحُّ مَعَ الارتياب ، أي الشَّكِّ ، أَيْ لا بُدَّ من الجَزْمِ فما دامَ العبدُ جازِمًا غَيْرَ شاكٍّ كارهًا للكُفْرِ فلا تَضُرُّهُ خَواطرُ الكُفْرِ التي تطرأُ على قلبهِ من دون إرادته .



كُلُّ الخَوَاطِرِ التي تُؤَدِّي إلى جَعْلِ الله تعالى ذا مقدارٍ وشَكْلٍ وهيئةٍ يجبُ أَنْ تُنبذَ وتُطرد . المُؤْمِنُ إذا عَصَفَتْ به هذه الخواطرُ فلْيَشْغَلْ نَفْسَهُ بغيرِها ولا يَتَتَبَّعْهَا .



قال رسولُ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، في الحديثِ الذي رَوَاهُ عنهُ أبو القاسمِ الأنصاريُّ :" لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ " . معناهُ : الله تعالى لا يُدْرِكُهُ الوَهْمُ ، وذلك لأنَّ الوَهْمَ يُدرِكُ الأشياءَ التي أَلِـفَهَا أو التي هي من جنسِ ما أَلِـفَهُ كالإنسانِ والغَمامِ والمَطَرِ والشَّجَرِ والضَّوْءِ والظَّلامِ والرِّيحِ والظِّلِّ ونحوِ ذلك .


والإنسانُ يستطيعُ أنْ يَتَصَوَّرَ الأشياءَ المخلوقةَ التي رءاها والتي لم يرَها وأمَّا الله فلا تُدرِكُهُ تَصَوُّراتُ العبادِ وأوهامُهم .


قال إمامُ الحَرَمَينِ أبو المعالي عبدُ المَلِكِ الجوينيُّ ، المُتوَفَّى سَنَةَ ثمانيةٍ وسبعينَ وأربعِمِائةٍ للهجرة ، في كتابه[(الإرشاد)/ص58]ما نصُّه :" مذهبُ أهلِ الحَقِّ قاطبةً أنَّ الله يتعالى عن التَّحَيُّزِ والتَّخَصُّصِ بالْجِهَاتِ "ا.هـ.


والإمامُ أبو القاسم الأَنصاريُّ النيسابوريُّ شَرَحَ كتابَ (الإرشاد) لإمام الحَرَمَيْنِ الجُوَيْنيِّ .
فإذا عُدنا إلى[(شرحِ إرشاد الجُوَينيِّ)/ق/58-59]لأبي القاسم الأنصاريِّ ، وهو من المصادر المخطوطة//المحموديَّة// المدينة المنوَّرة//لوجدنا فيه ، بعدَ كلامٍ في الاستدلالِ على نفي التحيُّز في الجهةِ عن الله تعالى ، ما نصُّه :" وقد قيلَ في قولهِ تعالى (( وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى ))[النجم/42]إليه انتهَى فِكْرُ مَنْ تَفَكَّرَ . هذا قولُ أُبيِّ بنِ كَعْبٍ وعبدِ الرحمٰنِ بنِ أَنعُم . ورَوَى أُبيُّ بنُ كَعْبٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :" لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ " . ورَوَى أَنَسٌ عن رسول الله أنه قال :" إذا ذُكِرَ الله تعالى فانتهُوا " ، وقال :" تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تتَفَكَّرُوا في الخالق " .. "ا.هـ.. ..
وأُبيُّ بنُ كَعْبٍ هو من مشاهير الصَّحابة .. ..
ورَوَى البيهقيُّ في[(الأسماء والصِّفات)/ص420]بإسناد صحيحٍ عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أنه قال :" تَفَكَّرُوا في كُلِّ شيء ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ الله " .. أي ولا تَتَفَكَّرُوا في ذاتِ الله .. أيْ لا تتفكَّروا في حقيقته ..


وليسَ من التفكُّرِ في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الحُدُوثِ ومشابهةِ المخلوقات . ليسَ من التفكُّرِ في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الحَدِّ والتحيُّزِ في الأماكنِ والْجِهَاتِ . ليسَ من التفكُّر في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الشَّكْلِ والصُّورَةِ والكيفيَّة . بل تنـزيهُ الله عن الشَّكْلِ والصُّورَةِ والكيفيَّةِ واجبٌ علينا معرفتُه . فَرْضٌ علينا أَنْ نَتَعَلَّمَه ، وذلكَ عملًا بقولِ الله تعالى (( ليسَ كَمِثْلهِ شيء )) ، وعَمَلًا بقول الله تعالى (( سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى ))[الأعلى/1]. قولُ الله (( سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى )) معناهُ نَزِّهْ ذاتَ رَبِّكَ . وعَمَلًا بحديثِ رسولِ الله :" طَلَبُ العِلْمِ فريضةٌ على كُلِّ مسلم " ، وعَمَلًا بقولِ الإمام الأكبرِ أبي الحَسَنِ الأشعريِّ :" أَوَّلُ ما يجبُ على العبدِ العِلْمُ بالله ورَسُولهِ ودينهِ " .


.
الإمامُ الكبيرُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ البغداديُّ رَوَى في كتابهِ (تفسيرُ الأسماء والصِّفات) عن شيخِ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ أبي الحَسَنِ الأشعريِّ أنه قال :" أَوَّلُ ما يجبُ على العبدِ العِلْمُ بالله ورَسُولهِ ودينهِ " .
وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في كتابه (الفِقْهُ الأبسط) :" إعلمْ أَنَّ الفِقْهَ في الدِّينِ أَفْضَلُ من الفِقْهِ في الأَحْكام " .. وقال أيضًا :" أصلُ التوحيدِ وما يَصِحُّ الاعتقادُ عليه وما يَتَعَلَّقُ بالاعتقاديَّاتِ هو الفِقْهُ الأكبرُ " ..
ونَقَلَ الحافظُ أبو القاسمِ بنُ عساكرَ في كتابهِ[(تبيينُ كَذِبِ المفتري)/ص342]عن الإمامِ الشَّافعيِّ أنه قال :" أَحْكَمْنَا ذاكَ قبلَ هذا " .. معناهُ أَتْقَنَّا عِلْمَ التوحيدِ قبلَ أَنْ نُتْقِنَ فروعَ الفِقْه .. كذلكَ أَخْرَجَهُ البَيْهَقيُّ في كتابه[(مناقب الشَّافعيِّ)/ج1/ص457].



وقد رَوَى ابنُ ماجهْ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله أنه قال :" كُنَّا مَعَ النبيِّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، ونحنُ فتيانٌ حَزَاوِرَةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ القرءانَ ، ثمَّ تعلَّمنا القرءانَ فازْدَدْنا به إيمانا " .



وكذلكَ الإمامُ الكبيرُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ البغداديُّ رَوَى في كتابهِ (تفسيرُ الأسماء والصِّفات) عن الغزاليِّ أنه قال :" لا تَصِحُّ العبادةُ إلَّا بعد معرفةِ المعبود " .



وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" رُبَّ صائمٍ حَظُّهُ من صيامهِ الجوعُ والعَطَشُ ورُبَّ قائمٍ حَظُّهُ من قيامهِ السَّهَرُ " .



رواهُ الإمامُ أحمدُ في (مسندِه) وابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحهِ) وأبو يَعْلَى في (مسندِه) بإسنادٍ صحيحٍ . .



فاعلموا ، رحمكم الله ، أَنَّ الله قائمٌ بذاته . أي ليسَ وُجُودُهُ مُتَوَقِّفًا على غيرِه . كانَ الله مَوْجُودًا قبلَ العَالَمِ ، كانَ مَوْجُودًا قبلَ الزَّمَانِ وقبلَ المكانِ وقبلَ الْجِهَاتِ السِّتِّ والأبعادِ الثلاثةِ ومن غيرِ أنْ يسبقَ وُجُودَهُ عَدَمٌ ومن غيرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غيرُه . ثمَّ خَلَقَ الله العالمَ . خَلَقَ الزَّمانَ وخَلَقَ المكانَ وخَلَقَ الْجِهَاتِ السِّتَّ والأبعادَ الثلاثة . والْجِهَاتُ السِّتُّ ، كما هو معلوم ، هي : فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشِمال . والأبعادُ الثلاثةُ هي الطُّولُ والعَرْضُ والعُمْقُ .



ولم يَتَغَيَّرِ الله بعدَ أَنْ خَلَقَ العالمَ عَمَّا كان .. سبحانه يُغَيِّرُ ولا يتَغَيَّر .. العَالَمُ هو كُلُّ ما سوَى الله .. العَالَمُ هو الْجِهَاتُ السِّتُّ وما تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ .. الله ، تباركَ وتعالى ، خَلَقَ العَالَمَ العُلْوِيَّ وخَلَقَ العَالَمَ السُّفْلِيَّ ..



قال إمامُ أهلِ السُّنَّةِ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ المتوفَّى سنةَ إحدَى وعشرينَ وثلاثمِائةٍ للهجرة في كتابهِ (العقيدةُ الطَّحَاوِيَّة) :" تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات ، لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " .



فقولُ الإمام أبي جعفر :" تعالى عن الحدود " يعني بهِ أنَّ الله تَنَزَّهَ عن أنْ يكونَ له حَدٌّ . أَيْ تَنَزَّهَ عن أنْ يكونَ له كَمِّـيَّة . الله ، سبحانه وتعالى ، مَوْجُودٌ غيرُ محدود ، أي مَوْجُودٌ من غَيرِ أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بمِقْدار ، أي من غيرِ أنْ يكونَ له مِقدارٌ من الحَجْم ينتهي إليه ، أي من غيرِ أنْ يكونَ له كَمِّـيَّة . إذْ لو كانَ لله حَدٌّ ، أَيْ كَمِّـيَّة ، لكانَ له أمثالٌ كثيرةٌ لا تُحْصَى . والله ليسَ له مِثْلٌ .



قال الله تعالى (( فلا تَضْرِبُوا لله الأمثال ))[النحل/74].



قال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ :" تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ ، لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " .



أمَّا الغاياتُ فهي النِّهايات ، وأمَّا الأركانُ فهي الجوانب ، وأمَّا الأعضاءُ فهي اليدُ الجارِحةُ والرِّجلُ الجارِحة ، وأَمَّا الأدواتُ فهي الأجزاءُ الصَّغيرةُ كاللِّسانِ والأضراس . وأمَّا المبتدَعاتُ فهي ، لغةً ، المخـلوقات . وأرادَ بها الإمامُ هنا الأشياءَ التي لها حَدٌّ . الشَّمْسُ لها حَدٌّ . القمرُ له حَدٌّ . الإنسانُ له حَدٌّ . الرُّوحُ الذي هو جسمٌ لطيفٌ يُدَبِّرُ البَدَنَ له حَدٌّ ، أَيْ مقدارٌ من الحَجْمِ يعلمُه الله . الضَّوْءُ له حَدٌّ . الظَّلامُ له حَدٌّ . لكلِّ سماء من السَّماواتِ السَّبْعِ حَدٌّ ، أَيْ مقدارٌ من الحَجْم يعلمُه الله . نارُ الدُّنيا لها حَدٌّ . نارُ جَهَنَّمَ لها حَدٌّ . جَهَنَّمُ لها حَدٌّ الجَنَّةُ لها حَدٌّ . العَرْشُ الذي هو سَقْفُ الجَنَّةِ له حَدٌّ ، أَيْ مقدارٌ من الحَجْمِ يعلمُه الله . النَّملةُ لها حَدٌّ . الهباءُ الذي نراهُ في أشعَّة الشَّمْسِ الدَّاخلةِ من الكَوَّةِ له حَدٌّ . الجَوْهَرُ الفَرْدُ الذي هو أصغرُ جُزْء في الجسْم والذي لا يَقْبَلُ الإنقسامَ عقلًا لتناهيه في الصِّغَرِ له حَدٌّ أيضًا . وكُلُّ ما لَهُ حَدٌّ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ له مكانٌ يَتَحَيَّزُ فيه . والشَّيْءُ الذي له مكانٌ يَتَحَيَّزُ فيه لا بُدَّ أَنْ تحويَه الْجِهَاتُ السِّتُّ أي لا بُدَّ أَنْ تحيطَ به الْجِهَاتُ السِّتُّ .



ولكلامِ الإمامِ أبي جعفر :" لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ " دليلُه العقليُّ ، وهو أنَّ الله تعالى كان قبلَ الْجِهَاتِ السِّتِّ ، فكيفَ بعد أنْ خَلَقَ الله الْجِهَاتِ السِّتَّ ، تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ !!. سبحانَهُ يُغَـيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ . والْجِهَاتُ السِّتُّ ، كما هو معلوم ، هي : فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشِمَال .



يَستحيلُ في العقل أن تحيطَ الْجِهَاتُ السِّتُّ بالله تعالى وذلك لأنَّ الله هو الذي خلقَها والخالقُ يجب عقلًا أن يكونَ قبل المخلوق . وربُّنا ، الآن ، أي بعد أن خَلَقَ الْجِهَاتِ السِّتَّ ، لم يَزَلْ على ما عليه كان ، أي لم يَزَلْ مَوْجُودًا من غير أنْ تَحْوِيَهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ ، وذلك لأن التغَيُّرَ مستحيلٌ عليه لأنه إله ، والإله يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ . فذاتُه إذًا مُنَزَّهٌ عن أنْ يَكُونَ له كَمِّـيَّةٌ لاستحالةِ إحاطةِ الْجِهَاتِ به .



كما وأنَّ عبارةَ الإمامِ أبي جعفرٍ هذه :" لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " فيها معنى التوحيد ، وهو أنَّ ذاتَ الله هو وحدَه الذي لا تَحْويه الْجِهَاتُ السِّتُّ .



ودليلُ ذلك أنَّ ذاتَ الله ، أيْ حقيقتَه ، ليس جزءًا من العالم أمَّا سائرُ الأشياء التي لها حَدٌّ ، أَيْ كَمِّـيَّة ، فهي أجزاء من جملة العالم ، حتى إنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ الذي هو أصغرُ جزء في الجسم والذي لا يَقبلُ الانقسامَ عقلًا لتناهيه في الصِّغَرِ ، حتى هذا ، لا شَكَّ أنه جزءٌ من العالم . ومن كان جزءًا من العالمِ وَجَبَ أنْ تحيطَ بهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ ، ومن حَوَتْهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَجَبَ أن يكونَ له كَمِّـيَّة ، أيْ مقدارٌ من الحجم .




قال حُجَّةُ الإسلام ، إمامُ أهلِ الحقِّ ، سَيِّدُنا عليُّ بنُ أبي طالب :" مَن زَعَمَ أنَّ إلـٰـهَنا محدود فقد جَهِلَ الخالقَ المعبود" ..




أنظر[(حِلْيَةَ الأَولياء)/ترجمة عليِّ بنِ أبي طالب/ج1/ص73] للحافظِ أبي نُعَيْم . رَوَاهُ عنِ النُّعمانِ بنِ سعدٍ عن عليِّ بنِ أبي طالب .. والمحدُودُ ، عندَ علماء الأُصُول ، ما لَهُ حَجْمٌ ..



كُلُّ ما له حَجْمٌ يُقالُ له ، عندَ علماء الأصُول ، محدود ، سواءٌ أكانَ صغيرًا أم كبيرًا ومفهومُ كلامِ الإمامِ عليٍّ تكفيرُ كلِّ من يَزْعُمُ أنَّ لذاتِ الله كَمِّـيَّةً صغيرةً أو كَمِّـيَّة كبيرةً .



الشَّيْءُ الذي له حَدٌّ يستحيلُ في العقلِ أنْ يَكُونَ إلـٰـهًا لأنه محتاجٌ إلى من جعلهُ على هذا المقدار من الحَجْمِ والمحتاجُ لا يَكُونُ إلـٰـهًا . المحتاجُ لا يستحقُّ أَنْ يُعْـبَدَ . ولأنه يستحيلُ في العقلِ أنْ يَخْلُقَ الشيءُ نفسَه بَطَلَ قولُ مَنْ قال إنَّ الله قَدَّرَ لنفسه حجمًا هو الآنَ عليه . لذلكَ اعتبرَ الإمامُ عليٌّ هذا الذي زَعَمَ أَنَّ الله محدودٌ جاهلًا بربِّه غَيْرَ عارف به .



وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في (الفقه الأكبر) ما نصُّه :" ولا حَدَّ له ولا ضِدَّ له "ا.هـ..



معناهُ : ليسَ له مِقْدَارٌ من الحجمِ وليسَ له نظير .. والضِّدُّ في اللُّغَةِ تأتي بمعنى الشَّبيهِ والنظير ، وتأتي بمعنى المخالف .. والمرادُ هنا الشَّبيهُ والنظير .. فلا حَدَّ لله تعالى ولا شبيهَ له ولا مِثْلَ ..



وليس مرادُ العلماء بنَفْيِ الحدِّ عن الله أنه ممتدٌّ إلى غيرِ نهاية ، بل مُرادهُم بنَفْيِ الحدِّ عن الله نَفْيٌ لأنْ يكونَ لذاته كَمِّـيَّة . وذلك لأنَّ ما لذاتهِ امتدادٌ ، أي انبساطٌ ، يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ ممتدًّا إلى ما لا نهاية ، بل لا بُدَّ منْ أنْ ينتهيَ امتدادُه ، أي انبساطُه ، حيث شاء الله لهذا الامتدادِ أنْ ينتهي . وهذا معناهُ أنَّ الممتدَّ ، أي المنبسطَ ، مهما كان امتدادُه عظيمًا لا بُدَّ من أنْ يكونَ له كَمِّـيَّةٌ .. واتصافُ الله بالكَمِّـيَّة مستحيلٌ عَقْلًا . ومن وَصَفَ الله بما يستحيلُ عليه عقلًا فقد كفر وخرج من الإسلام . فمرادُ العلماء بنفي الحدِّ عن الله نَفْيٌ لأنْ يكونَ لذاته كَمِّـيَّةٌ صغيرةٌ أو كَمِّـيَّةٌ كبيرةٌ ، وليس مرادُهم أنَّ الله ممتدٌّ . أي ليس مرادُهم أنَّ الله منبسط . فكيف يقبلُ صاحبُ عقلٍ سليم أنْ يقولَ بعد ذلكَ إنَّ الله ممتدٌّ إلى غيرِ نهاية وقد ثَبَتَ أنَّ الإمتدادَ ، أي الانبساطَ ، مَنْفيٌّ عن الله أَصْلًا بحكم العقل . أما العَالَمُ فإنه ممتدٌّ إلى نهاية يعلمُها الله وليس إلى غير نهاية . فالعَالَمُ كلُّه بجملته محدود ، إذ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ ممتدًّا في المِساحة إلى ما لا نهاية .



وأفرادُ العَالَمِ كلُّها لها حَدٌّ ، فالعرشُ ليسَ هو جِرْمًا منبسطًا إلى غير انتهاء ، وكذلك الجَنَّة والنارُ والسَّماواتُ والأراضي واللَّوحُ والكُرْسِيُّ الذي وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ ، كُلٌّ منها محدود ، أي أنَّ كُلًّا من هذه المخلوقاتِ قد خَلَقَهُ الله على مقدارٍ من الحجم ينتهي إليه ، وهو ما نُعَبِّرُ عنه بالكَمِّـيَّة . نحنُ لا نقولُ إنَّنا نَعْلَمُ هذا المقدارَ ، ولكنَّ الله يَعْلَمُهُ ، ولا شَكَّ في ذلك .. فمن قال في الله :" إنه ممتـدٌّ " ، أي منبسط ، أو قال :" إنَّ لله مِساحةً " ، أو قال :" إنَّ لله كَمِّـيَّةً " ، فهو كافرٌ برَبِّه غيرُ عارف به . وذلك لأنَّ مَنْ نَسَبَ إلى الله الإمتدادَ أو المِساحةَ أو الكَمِّيَّةَ فقد وَصَفَ الله بصفة من صفات البشر ، ومن وَصَفَ الله بصفة من صفات البشر فقد كفر .



.



قال الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ في كتابهِ المذكور :" ومَنْ وَصَفَ الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر " ، أيْ مَنْ وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البَشَرِ فقد خَرَجَ من الإسلام . فاعتقادُ أنَّ الله محدودٌ كُفْرٌ صريحٌ لا يُقْـبَلُ معه الإسلامُ ولا يكونُ معه الإيمان .



.



ذَكَرَ المُحَدِّثُ الحافظُ محمَّد مُرتضَى الحُسينيُّ الزَّبيديُّ في كتابهِ (شرح إحياء علوم الدين) بإسنادٍ مُتَّصِلٍ منه إلى الإمام زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحُسَينِ أنه قال في رسالتهِ المشهورة بـ (الصَّحيفة السَّجَّاديَّة) :" أنتَ الله الذي لا تُحَدُّ فتكونَ محدودًا " ، أي فمن المستحيلِ أنْ تكونَ محدودًا ، أيْ فمن المستحيلِ أنْ يكونَ لذاتك كَمِّـيَّةٌ . هذه الفاء هي فاء السَّـبَبيَّة ، والفعلُ " تكونَ " منصوبٌ بـ " أَنْ " مضمَرة بعد فاء السَّـبَبيَّة .



كما نَقَلَ الزَّبيديُّ نفسُه عن زينِ العابدينَ أيضًا أنه قال في الصَّحيفَةِ نفسِها :" لا يحيطُ بهِ مكان " . وهذا كلامٌ صحيح ، وذلك لأنَّ الله تعالى لو كانَ في مكانٍ لكانَ محدُودًا تَحْوِيه الْجِهَاتُ السِّتُّ . وقد تَقَدَّمَ الدَّليلُ العقليُّ على أنَّ الله تعالى لا تحيطُ به الْجِهَاتُ السِّتُّ .



قال الإمامُ الرفاعيُّ:" غايةُ المعرفةِ بالله الإيقانُ بوُجُودِهِ تعالى بلا كيفٍ ولا مكان " .



قال كلمةَ التنـزيهِ هذه في كتابهِ[(الحِكَم)/ص35/ص36].. والإمامُ الرِّفاعيُّ هذا هو أحمدُ بنُ عليِّ بنِ أَحمدَ بنِ يحيى بنِ خازمِ بنِ عليِّ بنِ رِفاعة . وينتهي نسبُه إلى زَينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب . وكانَ ممَّن جَمَعَ بينَ العلْم والعَمَلِ والزُّهْد . كانَ فقيهًا محَدِّثًا مُفَسِّرًا أَلَّفَ تآليفَ كثيرةً . منها : كتابُ (شرح التنبيه) ، وهو كتابٌ في الفقه الشَّافعيِّ . وأَلَّفَ في الحديثِ أربعينَ حديثًا بالإسناد .. تُوُفِّيَ سنةَ خمسِمائةٍ وثمانيةٍ وسبعين .. أَلَّفَ في ترجمتهِ الإمامُ أبو القاسمِ الرِّفاعيُّ تأليفًا سمَّاه (سوادَ العينينِ في مناقبِ أبي العَلَمَيْن)



.



والله لا إله غيرُه أي لا معبودَ بحَقٍّ غيرُه ، أي لا أَحَدَ يستحقُّ أنْ يُعْبَدَ غيرُه . ليس له طُولٌ ولا عَرْضٌ ولا عُمْقٌ ولا شَكْلٌ ولا جُزْءٌ أيمن ولا جُزْءٌ أيسر ولا جُزْءٌ أعلى ولا جُزْءٌ أسفل . ليس ربُّنا ساكنًا وليس مُتَحَرِّكًا . مَوْجُودٌ بلا مكان ولا جهة : ليستِ السَّماءُ مكانًا له ولا ما فوقَها ولا ما تحتَها ، وليسَ أيُّ مكان مكانًا لله سبحانه وتعالى . وليس الله تعالى في كُلِّ مكان ، وذلك لأنه ، سبحانه وتعالى ، كان قبل العَالَم : كانَ قبلَ المكان وقبلَ الامتدادِ وقبلَ الاتساعِ وقبلَ الْجِهَاتِ وقبلَ الظَّلام وقبلَ الضَّوء وقبلَ الزَّمانِ والتعاقب . ثم خَلَقَ الله العَالَمَ : خَلَقَ المكانَ والامتدادَ والاتساعَ والْجِهَاتِ كلَّها والظُّلُمات والنُّور . وهو الآنَ مَوْجُودٌ لا في مكانٍ ولا في جهةٍ كما كان قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ . فكيف يَصِحُّ في العقلِ أنْ يكونَ الله في مكانٍ أو جهةٍ وهو الْمَوْجُودُ قبل الأماكنِ والْجِهَاتِ !!.



.



فكما وَجَبَ في العقلِ أنْ يَكُونَ الله قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ مَوْجُودًا من غيرِ أنْ يَكُونَ في مكان وَجَبَ في العقلِ أيضًا أنْ يكونَ الله بعدَ أنْ خَلَقَ المكانَ مَوْجُودًا من غيرِ أنْ يكونَ في مكان ، وذلك لأنَّ الله يستحيل عليه التغَيُّرُ .



.



قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" كانَ الله ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه "..



والحديثُ صحيحٌ .. رواه البُخَارِيُّ وابنُ الجارودِ والبَيْهَقِيُّ بالإسنادِ الصَّحِيحِ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم ..



.



والحديثُ معناهُ أنَّ الله كانَ قبلَ أنْ يَكُونَ مكانٌ ، أيْ قبلَ أنْ تَكُونَ الأبعادُ الثلاثة ، وقبلَ أنْ تَكُونَ الْجِهَاتُ السِّتُّ . فكيفَ يَحُلُّ بالمكان وكيف تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ ؟؟ . ولكنَّ الله تعالى عَالِمٌ بنا وبأحوالنا ، محيطٌ بنا علْمًا ، وهو معنا بعِلْمهِ أينما كُنَّا من غيرِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بالعَالَم أو مُنْفَصِلًا عنه أو دَاخِلَهُ أو خَارِجَهُ . وكَمَا وَجَبَ علينا أنْ نُؤْمنَ بأنَّ الله كانَ كذلكَ قبلَ أنْ يَخْلُقَ العَالَمَ وَجَبَ أيضًا علينا أنْ نُؤْمنَ بأنه ، سبحانه وتعالى ، بعدَ أنْ خَلَقَ العَالَمَ لم يَزَلْ كَمَا كانَ لا دَاخِلَ العَالَمِ ولا خَارِجَه ، لا مُتَّصِلًا بالعَالَمِ ولا مُنْفَصِلًا عنه ، إذ التغيُّر في حقِّه تعالى مستحيلٌ لا يقبلُه العقلُ لأنَّ التغيُّر من صفات البشر وهو نَقْصٌ في حقِّه تعالى ، والله يغيِّر ولا يتغيَّر .


قال بعضُ الأَئِمَّةِ الحنفيَّة :" إنَّ الله تعالى ليس داخلَ العَالَم وليسَ خارجَه " . ومن هؤلاء الأَئِمَّةِ القَوْنَوِيُّ ، والعَلَّامَةُ البياضيُّ في كتابه[(إشارات المرام)/ص197/ص198] ومنهم أيضًا شيخُ المتكلِّمينَ على لسان أهلِ السُّـنَّةِ أبو المُعِينِ النَّسَفِيُّ وذلك في كتابهِ[(تبصرةُ الأدلَّة)/ج1/ص176/ص177]وغيرُهم من مشاهيرِهم .


وذلكَ لأَنَّ التعبيرَ بـ[[خارج الشَّيْء]]لا يَكُونُ إلَّا لما له كَمَّـيَّةٌ أيْ مقدارٌ من الحجم . وأمَّا الذي لا كَمِّـيَّةَ له ، وهو الله عَزَّ وجَلَّ ، فلا يقالُ إنه خارجَ العَالَمِ كما لا يقالُ إنه داخلَ العَالَمِ ..



أضفْ إلى ذلكَ أنَّ العَالمَ بجملته محدود ، والخَلاءُ والمَلاءُ ينتهي بانتهاء حَدِّ العالم .. فليسَ وراء العالمِ شيءٌ ، لا خلاء ولا مَلاء .. لا فضاء ولا أحجام ..



قال الله تعالى في القرءان الكريم (( وهو مَعَكُمْ أينَ ما كنتم ))[الحديد/4]..



وقال أيضًا (( ألَا إنه بكُلِّ شيء محيط ))[فُصِّلَتْ/54]..



وقال أيضًا (( اللـهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سمٰواتٍ ومن الأرضِ مِثْلَهُنَّ يتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللـهَ على كُلِّ شيء قديرٌ وأنَّ اللـهَ قد أَحاطَ بكُلِّ شيء عِلْمًا )) [الطَّلاق/12].



وقالَ الله أيضًا إخبارًا عن سَيِّدِنا موسَى أنه قال لقومهِ (( إنما إلـٰـهُكُمُ الله الذي لا إلـٰـه إلَّا هُو ، وَسِعَ كُلَّ شيء عِلْمًا ))[طه/98]..





قال أهلُ الحَقِّ :" إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْمًا ، أَيْ وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو معنا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيء عِلْمًا ، ولا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ الله شَيْء " .



.



ونحنُ نقولُ ما قاله أهلُ الحَقِّ ونردِّد ما رَدَّدُوه ((( إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْمًا ، أَيْ وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو معنا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيء عِلْمًا ، ولا يغيبُ عن عِلْمِ الله شيء ))) ، ولا نستعملُ عباراتٍ قبيحةً كقول بعض الجُهَّال :" إنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بعِلْمهِ " . لأَنَّ هذا الكلامَ ليسَ من ديننا ، وإنما هو كلامٌ قبيحٌ ممنوعٌ مُحَرَّمٌ محظور . لأنه يوهمُ معنًى فاسدًا . لكنْ نحنُ لا نُكَفِّرُهُمْ . لا نُكَفِّرُ هؤلاء الذينَ يقولُون هذه العبارةَ وذلكَ لأنهم لا يَفْهَمُوْنَ من هذه العبارة القبيحة إلَّا أَنَّ الله تعالى عَالِمٌ بكلِّ شيء ولا يخفَى عليه شيء .



.



هذا كُلُّ ما يفهمُونه من هذه العبارة القبيحة . ولكنْ يجبُ علينا نحنُ أَنْ ننهاهم عنها ، ونرشدَهم إلى العباراتِ الحَسَـنَةِ التي يُرَدِّدُها أهلُ الحَقِّ ((( إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْمًا ، أَيْ وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو معنا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيء عِلْمًا ، ولا يغيبُ عن عِلْمِ الله شيء ))) . أَمَّا أنْ يُرَدِّدُوا هذه العبارةَ القَبيحَةَ :" إنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بعِلْمهِ " فذلكَ حَرامٌ ممنوع ويجبُ علينا أَنْ ننهاهم عنها وأَنْ نحذِّرَهم منها .


.
بعضُ الناس يأتونَ بهذه العبارةِ القبيحة من دون أَنْ يقولوا بعِلْمهِ . يقولون :" الله في كلِّ مكان " ، أيْ من دون أنْ يُتْبِعُوا كلامَهم بكلمةٍ تبيِّن ما يفهمون من هذه العبارة القبيحة . والله أعلمُ بمراد هؤلاء . فإنْ كانوا يفهمون من قولهم الله في كلِّ مكان أَنَّ اللـهَ معنا بعِلْمهِ لا يخفَى عليه من أُمُورِنا شيء فإنَّ فَهْمَهُمْ صحيح ولكنهم وقعوا في معصيةِ الله لأنهم عَبَّرُوا عن فَهْمِهِمُ الصَّحيحِ بكلامٍ قبيحٍ ممنوعٍ مُحَرَّمٍ محظور .
ونحنُ لا نكفِّرُهم إنْ كانوا لا يفهمونَ من هذه العبارة أنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بذاتهِ ، وإنما يجبُ علينا أَنْ نحكمَ بكفر من كان يُرَدِّدُ هذه العبارةَ وهو يفهمُ منها أَنَّ اللـهَ في كُلِّ مَكانٍ بذاتهِ . أَيْ كالهواء . وليسَ جهلُه بالله عُذْرًا له يمنعنا من الحُكْم عليه بالكفر . بل هو كافر ولو كان جاهلًا بعقيدَة التنـزيه . حَتَّى ولو كان جاهلًا بأنه كافر . هؤلاء الذينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الله في جميع الأماكن أو هو العَالَمُ والعَالَمُ هو الله هؤلاء يُقالُ لهم أَهلُ الوَحْدَة المُطْلَقَة . هؤلاء كُفَّارٌ . وكافرٌ مَنْ شَكَّ في كُفْرِهم .
الذي يَشُكُّ في كُفْرِ هذا الكافرِ الجاهلِ بربِّه يَكُونُ كافرًا مثلَه . الجهلُ لا يرفعُ المُؤَاخَذَةَ عن المخطئ .. الجهلُ بعقيدةِ التنـزيهِ لا يرفعُ المؤاخذةَ عن الجاهلِ بها . الجهل بالإسلام وبعقيدةِ التنـزيهِ لا يُنْجِي من الوقوعِ في الكفر . وما دامَ في قلب العبدِ اعتقادٌ كُفْرِيٌّ فالشَّهادتانِ لا تنفعانهِ ولو تلفَّظ بهما ءالافَ المَرَّات .
.
إنَّ أَوَّلَ مَنْ صَرَّحَ بعقيدة الحلول رَجُلٌ اسمُه جَهْمُ بنُ صَفْوانَ .. جَهْمُ بنُ صَفْوانَ كان يقول :" الله مَوْجُودٌ في كُلِّ مكانٍ بذاتهِ " . وهذا لفظٌ صريحٌ في الكُفْرِ لا يُؤَوَّلُ . وجَهْمُ بنُ صَفْوانَ قُتِلَ على الإلحاد . سَلْمُ بنُ أَحْوَز ، أَحَدُ وُلاةِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ ، قَتَلَهُ يومَ عيدِ الأضحى . قال :" أُضَحِّي بجهمِ بنِ صفوان " . والذينَ يقولونَ اليومَ مقالةَ جَهْمِ بنِ صَفْوانَ يُقالُ لهمُ الجَهْمِـيَّة .
.
واحذروا من طائفةٍ تنتسبُ إلى التصوُّف تُسَمَّى الشَّاذِلِيَّةَ اليَشْرُطِيَّةَ . إنَّ هذه الطَّائفةَ تدَّعي أنَّ القَيُّومَ الذي هو من أسماء الله الحسنى معناهُ القائمُ فينا . فكُفْرُهُمْ هذا يُعَدُّ منْ أشنع أنواع الكُفْر . وأما الشيخُ عليٌّ نورُ الدِّينِ اليَشْرُطِيُّ الذي تنتسبُ إليه هذه الطَّائفة فهو برِيءٌ ممَّا يقولون ، هو كان على عقيدة التنـزيه .
.


القَيُّومُ من أسماء الله الحسنى . والتسميةُ بالقَيُّومِ لا تجوزُ إلَّا لله . القَيُّومُ معناهُ الدَّائمُ الذي لا يزول .



وقال بعضُ علماء أهلِ السُّـنَّة :" القَيُّومُ معناهُ القائمُ بتدبيرِ خَلْقهِ لأنَّ تدبيرَ جميعِ الأشياء لا يكونُ إلَّا لله . وأمَّا الملائكةُ الذينَ وَصَفَهُمُ الله تعالى في سورة النَّازعات بقولهِ (( فالمدبِّراتِ أَمْرًا )) فإنما يُدَبِّرُونَ في أمورٍ خاصَّة كالمطرِ والرِّيحِ والنباتِ وأشياء أخرى وليسَ في كُلِّ شيء " .



.



وقال بعضُ علماء أهلِ السُّـنَّة :" القَيُّومُ هو القائمُ بنَفْسهِ الذي لا يحتاجُ إلى غيرِه " . إنَّ الشَّيخَ عليًّا نورَ الدِّينِ اليَشْرُطِيَّ الذي كانَ في القَرْنِ الماضي هو رجلٌ من أكابرِ الأولياء والصَّالحين ، وقد كانت له كراماتٌ عديدة . هو تلميذُ الشَّيخِ أبي الحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ .



والشَّيخُ أبو الحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ هو من رؤوسِ الأولياء في عصرِه وله كراماتٌ شهيرةٌ أنصعُ من الشَّمْسِ في رابعةِ النَّهار . الطَّرِيقَةُ الشَّاذِلِيَّةُ اليَشْرُطِيَّةُ طريقةٌ فاضلةٌ لا غبارَ عليها مطلقًا . وأَمَّا الطَّرِيقَةُ الشَّاذِلِيَّةُ اليَشْرُطِيَّةُ المُحَرَّفَةُ فهيَ طريقةٌ منبوذة ..



بعضُ الذينَ ينسُبونَ أنفسَهم إلى هذه الطَّريقةِ يقولُون " الله ليسَ كمثلِه شيءٌ وهُوَ عَيْنُ كُلِّ شيءٍ " . ومنهم مَنْ يقول :" إنَّ الله عَيْنُ الأشياء " . يعنونَ بذلكَ أَنَّ الله جملةُ العَالَمِ وأفرادَ العَالَمِ جُزْءٌ منه .



ويُرَدُّ على هؤلاء الكُفَّارِ بقولِ الله تعالى (( الحَمْدُ لله رَبِّ العالمين ))[الفاتحة/2]. فقد أَثبتَ الله بهذه الآيةِ وُجُودَ ذاتهِ ووُجُودَ العَالَمِ مَعَ بيان أنه خالقُه . وفي ذلكَ نفيُ الحُلُولِ والوَحْدَة . وهؤلاء ليسوا صُوفيَّة ، هؤلاء لا تأويلَ لكلامهم ولا يجوزُ الشَّكُّ في كُفْرِهم . هؤلاء أهلُ الوَحْدَة المُطْلَقَة .



ومثلُهم بعضُ الدَّجَّالينَ مُدَّعِي التصوُّف . فقد قالوا :" وما في الوُجُود سوَى واحد ،،، ولكنْ تَكَثَّرَ لَمَّا صَفا " ..



معناهُ : العَالَمُ هو الله .. هذا معنى البيت .. وهذا البيتُ من جملةِ قصيدةٍ منسوبةٍ إلى الشَّيْخِ عبد الغَنيِّ النابلسيِّ في الدِّيوان المنسوب إليه .. ونحنُ لا نعتقدُ صِحَّتَهُ عن الشَّيْخِ عبدِ الغَنيِّ ..



.



إعتقادُنا أَنَّ الشيخَ عبدَ الغنيِّ النابلسيَّ بريءٌ ممَّا نُسِبَ إليه . لأنه ذَكَرَ هو نفسُه في بعضِ كُتُبه أَنَّ مَنْ قال إنَّ الله انحلَّ من شيء أو انحلَّ منه شيءٌ فقد كَفَر . وهذا التكفيرُ الثَّابتُ عنه ضدُّ هذا البيتِ المنسُوبِ إليه المُفْتَرَى عليه . وممَّن ذَكَرَ أنَّ الجهلَ بعقيدةِ التنـزيهِ سببٌ من الأسباب التي توقعُ في الكُفْرِ عبدُ الغَنيِّ النابلسيُّ .



قال الشَّيخُ عبدُ الغَنيِّ النابلسيُّ ، رضي الله عنه ، المتوَفَّى سنة 1144 للهجرة في كتابه (الفتحِ الرَّبَّانيِّ والفَيْضِ الرَّحمانيِّ) ما نصُّه :" مَنْ اعتقدَ أنَّ الله مَلأ السَّماواتِ والأرضَ أو أنه جسمٌ قاعدٌ فوقَ العرشِ فهو كافرٌ وإنْ زَعَمَ أنه مُسلم "ا.هـ..



.



يقولُ سَيِّدُ الصُّوفيَّة الجُنَيْدُ البغداديِّ :" التوحيدُ إفرادُ القديمِ من المُحْدَث " . معناهُ لا تَشَابُهَ بينَ القديمِ والمُحْدَثِ . معناهُ لا تَشَابُهَ بينَ اللـهِ القديمِ والعَالَمِ المُحْدَثِ .



وقال بعضُهُم في تعريف التوحيد :" التوحيدُ إفرادُ المعبود بالعبادة " .



.



وقال بعضُهم :" التوحيدُ إثباتُ ذاتٍ غيرِ مُشْـبِهٍ للذَّوَاتِ وغيرِ مُعَطَّلٍ عَنِ الصِّفات " .


.
والحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ يقولُ في شرحه على (صحيح البخاريِّ) :" أَهْلُ السُّـنَّةِ فَسَّروا التوحيدَ بنفي التشبيهِ والتعطيل " .. أنظر[(فتحَ الباري)/ج13/ص344]..
.
لذلكَ يجبُ الحَذَرُ من هذه العبارة التي يُرَدِّدُها الجُهَّالُ . وهي :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " ، أو :" يا ألله ما في غيرك " ..
إنَّ كثيرًا من العامَّة يردِّدون هذه العباراتِ ولا يَفْهَمُونَ معناها الكفريَّ . هذه العباراتُ تعني أنَّ اللـهَ هو جملـةُ العالم وأنَّ كُلَّ أفرادِ العَالَمِ جزءٌ من الله . هذه الكلمةُ وَضَعَهَا أهلُ الوَحْدَة المُطْلَقَة ثمَّ سَرَتْ إلى ءاذانِ بعضِ العامَّة الذينَ لا يفهمونَ معناها الأصليَّ . فصارُوا يُرَدِّدُونهَا من غير فَهْمٍ لمعناها االأَصليِّ الذي هو كُفْـرٌ صريح . وإنما يَفْهَمُونَ منها أنه لا مُدَبِّر للكَوْنِ إلَّا الله وأنه لا يُوجَدُ إله يستحقُّ العبادةَ إلَّا الله . هذا كُلُّ ما يفهمونه من هذه العبارات القبيحة . هؤلاء النَّاسُ اعتقادُهم في الله صحيح ، لكنَّهم جَهِلُوا المعنى الأصليَّ لهذه الكلمة . لذلكَ نحنُ لا نُكَفِّرُهم . هذه العبارة :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " ، أو :" يا ألله ما في غيرك " ليسَ لها إلَّا معنًى واحدٌ ، وهو كُفْرِيٌّ ، وهو أنَّ الله هو جُمْلَةُ العَالَمِ وأنَّ كُلَّ أفراد العَالَمِ جزءٌ من الله . هذه الكلمة وضعَها الملحدون ثم قَلَّدَهُم بعضُ الجاهلين بالمعنى الأصليِّ لهذا اللَّفْظِ الذي هو مِنْ أَكْفَرِ الكُفْرِ .
فَمَنْ عَلِمَ المعنى الكُفْرِيَّ لهذه الكلمة وبقيَ مَعَ ذلكَ يردِّدُها فإنه يَكْفُرُ . هذا الذي نُكَفِّرُه . ولا يُنْجِيه من الكفرِ أنه لا يَقْصِدُ معناها الكُفْريَّ بعد علْمه بمعناها الكُفْرِيِّ أو أنه يجهل أنها مخرجةٌ من الإسلام . ولا يُنْجِيه من الكُفْر أنه ابتكَر لها في نفسه معنًى ءاخَرَ غَيْرَ كُفْرِيٍّ فصار يَقْصِدُه . لا عُذْرَ لمنْ فهمَ معناها الأصليَّ إذا بقيَ يُرَدِّدُهَا .
فلْيتركُوا هذه الكلمةَ ولْيقولوا :" لا مَوْجُودَ بذاتهِ إلَّا الله " .
بَدَلَ أنْ يقولوا :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " فلْيقولوا :" لا موجُودَ بذاته إلَّا الله " ، هذه الكلمةُ فيها ثوابٌ ، الله يعطي قائلَها حَسَنَاتٍ كثيرةً ، هذه الكلمةُ فيها معنى التوحيد .



واعلم ، يا طالبَ العلم ، أَنَّ المسلمينَ يَرَوْنَ رَبَّهم يومَ القيامة وهم في الجَنَّة ، يَرَوْنَهُ بلا شَكْلٍ ولا كَيفيَّة . يَرَوْنَ ذاتَ الله ، أيْ حقيقتَه ، بأعينهم وليس هو في الجَنَّةِ وليس هو في جهةِ أمام ولا في جهة خلف ولا في جهةِ فوق ولا في جهةِ تحت ولا في جهةِ يمين ولا في جهة شِمَال ، ومن غيرِ أنْ يَتَصَوَّرُوه في قلوبهِم أو يتمثَّلوه في نفوسهم . قال الله تعالى (( وُجُوهٌ يومئذ ناضرة . إلى رَبِّهَا ناظرة ))[القيامة]، وكيفَ يكونُ الله في جهةٍ من الْجِهَاتِ ؟!.. حاشا لله أنْ يكونَ في جهةٍ من الْجِهَاتِ ، إذ لو كانَ في جهةٍ من الْجِهَاتِ لأَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب ، ومَنْ أَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب لا يكونُ إلـٰـهًا ، أي لا يكونُ له على غيرِه حَقُّ العبادة . والله ، كما تعلمون ، لا إله غيرُه أي لا معبودَ بحقٍّ غيرُه ، أي لا أحدَ يستحقُّ أَنْ يُعْـبَدَ غيرُه ، فكيف يمكنُ تَصَوُّرُهُ في القلب !!. فالذي يجبُ في العقلِ هو أنْ يكونَ الله مُنَـزَّهًا عن الجهة ، إذ لو كان في جهة من الْجِهَاتِ لأَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب ، وهذا مُحَالٌ ، وما أدَّى إلى المُحَالِ محال .




.




يقولُ الله تعالى في سورةِ الحديد (( هو الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهرُ والباطنُ وهو بكُلِّ شيء عليم ))



فالله هو الأوَّل ، أي هو وَحْدَه الأوَّل ، أي هو وحدَه الأَزليُّ القديمُ غيرُ المخلوقِ المَوْجُودُ قبل الْجِهَاتِ السِّتِّ . وهو ، سبحانه وتعالى ، الآخِرُ ، أي هو وَحْدَهُ الآخِر ، أي هو وَحْدَهُ الباقي بذاته ، أمَّا الجَنَّةُ وجَهَنَّمُ والعرشُ فهي أجرامٌ باقيةٌ إلى ما لا نهايةَ بمشيئةِ الله وليس بذواتها .. والله هو الظَّاهر ، أي هو القاهر .. والله هو الباطن ، أي هو الذي لا يُتَصَوَّرُ في القلب لأنه لا يستولي عليه تَوَهُّمُ الكيفيَّة وهو خالق الكيفيَّات والصُّوَر .. لا يجري على الله زمانٌ ولا يتقيَّد به ، ولا يتَخَصَّصُ بالمكان ، ولا يَشْغَلُهُ شأنٌ عن شأن ، ولا يكتنفُه عَقْلٌ ، ولا يتكيَّف فيه ، ولا يتَخَصَّصُ بالذِّهن ، ولا يتمثَّل في النفس ، ولا يُتَصَوَّرُ في القلب ، لا تلحقُه الأوهامُ والأفكار ، مهما تَصَوَّرْتَ ببالك فالله لا يُشْبِهُ ذلك .



وقال إمامُ الحَرَمَين أبو المعالي عبدُ المَلِكِ الجُوَيْنيُّ ، المُتوَفَّى سَنَةَ 478 للهجرة ، في كتابه[(الإرشاد)/ص58]ما نصُّه :" مذهبُ أهلِ الحَقِّ قاطبةً أنَّ الله يتعالى عن التحَيُّزِ والتخَصُّصِ بالْجِهَاتِ "ا.هـ..



أيها المسلمونَ العقلاء ، إذا قال لكمُ الجاهلُ الغبيُّ :" لا أَحَدَ يعلمُ مكانَ الله إلَّا الله " ،



فقولوا له :" إنَّ الله تعالى ليس له مكانٌ في عِلْمهِ وليس له شَكْلٌ في عِلْمهِ وليس له كَمِّيَّةٌ في عِلْمهِ ، عَلِمَ الله في الأزل أنَّ ذاتَه الأزليَّ مُنَزَّهٌ عن المكانِ والشَّكْلِ والكَمِّـيَّة ، ، ،



.



ولا يجوزُ لأحد من الخَلْقِ أنْ يدَّعيَ أنَّ لله تعالى مكانًا معلومًا أو مجهولًا أو أَنَّ لله شكلًا معلومًا أو مجهولًا أو أَنَّ لله كَمِّـيَّةً معلومةً أو مجهولة ، بل نحن نجزِم بأنَّ الله كانَ مَوْجُودًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ بلا مكان ، وبأنه الآن ، بعد أَنْ خَلَقَ المكانَ ، لم يزلْ مَوْجُودًا كما كانَ بلا مكان " .



.



والله عَالِمٌ بكُل شيء ، لا يغيبُ عن علمهِ شيء ، ولا يعلمُ اللـهَ على الحقيقةِ إلَّا الله . يعلمُ ما كانَ هو عليه قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ ، ويعلمُ ما هو الآنَ عليه بعد أنْ خَلَقَ المكانَ .



.



قال الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب :" إنَّ الله تعالى خَلَقَ العَرْشَ إظهارًا لقدرتهِ لا مكانًا لذاتهِ .. قد كانَ ولا مكان وهو الآنَ على ما كان " ، أيْ بلا مكان ..



رَوَى ذلكَ عنه الإمامُ الكبيرُ أبو منصور التميميُّ البغداديُّ عبدُ القاهرِ بنُ طاهرٍ في كتابهِ[(الفَرْقُ بينَ الفِرَقِ)/ص333]بالإسنادِ الصَّحيحِ بعدَ أنْ نَقَلَ الإجماعَ على تنـزيهِ الله عن المكانِ والحَدِّ ..



.



وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في رسالتهِ (الوصية) :" ونُقِرُّ بأنَّ الله على العرشِ استوَى مِنْ غيرِ أنْ يكونَ لهُ حاجةٌ إليهِ واستقرارٌ عليهِ . وهو حافظُ العرشِ وغيرِ العرشِ من غيرِ احتياجٍ . ولو كانَ محتاجًا إلى الجلوسِ والقَرَارِ فقبلَ خلقِ العَرْشِ أينَ كانَ الله ، تعالى الله عن ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا " ..



.



أما قولُ الله تعالى في سورةِ طه (( الرحمٰنُ على العَرْشِ استوَى )) ف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sadouq.mam9.com
 
بحثاسلامي مهم في اثبات ان الله موجود في كل مكان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع العربي :: منتدى التعليم العالي :: مقهى الطالب-
انتقل الى: