منتدى الابداع العربي


شاطر | 
 

 مدخل عام لدراسة علم المقصد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
driss
Admin
avatar

عدد المساهمات : 248
النشاط : 4
تاريخ التسجيل : 20/11/2011
العمر : 26

مُساهمةموضوع: مدخل عام لدراسة علم المقصد   السبت يناير 11, 2014 5:19 pm


أولاً: تعرف مقاصد الشريعة لغة واصطلاحاً
المقاصد لغةً:
المقاصد جمع مقصَد، وهو بفتح الصاد مصدر ميمي للفعل الثلاثي قصد، وبكسر الصاد اسم مكان من القصد، ويتعدى بنفسه وبالحرف، يقال: قصدت الشيءَ وله وإليه قصداً ومقصَداً وهو مقصِدي، وجمع القصد (قصود)، وجمع المقصد (مقاصد).[1]  
ولمعرفة معنى المقاصد لا بد من تتبع معنى ورود (ق ص د) في معاجم العربية، والذي يظهر من تتبعه أنه يطلق على عدة معاني:
1- طلب الشيء وإتيانه وأمه، قال في المصباح في أثناء كلامه السابق:"قَصَدْتُ الشيء وله و إليه (قَصْدا) من باب ضرب طلبته بعينه"، وقال في اللسان:"والقَصْدُ إِتيان الشيء تقول: قصَدْتُه وقصدْتُ له وقصدْتُ إِليه"[2].
2-القصد استقامة الطريق،ومنه قوله تعالى {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...}(النحل:9)، قال في اللسان: "أَي على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاءُ إِليه بالحجج والبراهين الواضحة، ومنها جائر أَي ومنها طريق غير قاصد".[3]
3- السهولة والقرب، قال في اللسان: "وسَفَرٌ قاصدٌ سهل قريب، وفي التنزيل   العزيز{لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ...}(التوبة:42)، قال ابن عرفة:سفراً قاصداً أَي غيرَ شاقٍّ ".[4]
4- العدل والتوسط في الأمور، أي بين الإفراط والتفريط، ومنه قوله تعالى{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ... }(لقمان:19)،قال ابن كثير:"أي امش مقتصداً، مشياً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً بين بين".[5]
هذه أهم المعاني التي يدل عليها فعل(قصد)، وبالتأمل في الاستعمالات السابقة، ومراجعة مواردها في لغة العرب، يظهر أن المعنى الأول هو المعنى الأصلي للكلمة،يقول
ابن جني: "أصل (ق ص د) ومواقعها في كلام العرب: الاعتزام والتوجه والنهوض نخو الشيء، على اعتدال كان ذلك أو جور، هذا أصله في الحقيقة، وإن كان يخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل، ألا ترى أنك تقصد الجور تارة، كما تقصد العدل أخرى، فالاعتزام والتوجه شامل لهما"[6]، وهذا المعنى ملحوظ في المعاني السابقة، فالناس إذا أرادوا سيراً أمُّوا وطلبوا الطريق المستقيم، وإذا عزموا على سفر طلبوا السهولة والقرب فيه، وإذا أرادوا السلامة في أمورهم طلبوا التوسط والاعتدال، فمعنى الطلب والأم موجود، وكأن القصد فيها استعمل للدلالة على المقصود، وهذا من باب المجاز، ولذلك قال الزمخشري: "ومن المجاز: قصد في معيشته واقتصد، وقصد في الأمر، إذا لم يجاوز فيه الحد، ورضي بالتوسط، لأنه في ذلك يقصد الأسدّ. وهو على القصد، وعلى قصد السبيل: إذا كان راشدا. وله طريق قصد وقاصدة، خلاف قولهم: طريق جور وجائرة، وسير قاصد، وبيننا ليلة قاصدة، وليال قواصد: هينة السير، وعليك بما هو أقسط وأقصد، وسهم قاصد وسهام قواصد، مستوية نحو الرمية".[7]
تعريف المقاصد اصطلاحاً:
لم يذكر الأئمة المتقدمون تعريفاً لمقاصد الشريعة، كما صرح بذلك كثير من الباحثين في المقاصد[8] ولذا ورد تعريفها عند المتأخرين، فقد عرفها الشيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى بقوله: "المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها"[9].
وعرفها الشيخ علال الفاسي بقوله:" المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها".[10]
وعرفها الدكتور يوسف العالم بقوله: "هي المصالح التي تعود إلى العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع، أو عن طريق دفع المضار"[11]
وعرفها الدكتور محمد اليوبي بقوله: "هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموماً وخصوصاً، من أجل تحقيق مصالح العباد"([12])
وعرفها الدكتور نور الدين الخادمي بقوله: "المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حكماً جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، وهو تقرير العبودية لله ومصلحة الإنسان في الدارين"[13]
و هذه التعاريف وغيرها وإن اختلفت في عباراتها، لكنها تكاد تكون متفقة في مضمونها، ويمكن أن نلاحط نقطتين اثنتين في هذه التعاريف، وهما يشكلان ركيزة أساسية في فهم المقاصد، وهما:
1- وجود غايات أو أهداف أو حكم أو معاني من وراء التشريع، أي إن الشارع الحكيم لم يشرع الأحكام عبثاً، بل أراد من وراء الأحكام أهدافاً وغايات، هذه الأهداف التي أرادها وطلبها هي ما تسمى المقاصد.
2- غاية هذه المقاصد أن تحقق مصلحة العباد، سواء كانت هذه المصلحة في الدنيا، كاستقرار حياتهم، وانتظام أمور معاشهم، وإرساء العدل والقيم النبيلة بينهم، أم كانت هذه المصلحة في الآخرة، كتحقيق الفوز والسعادة في الآخرة، وسواء كانت هذه المصلحة بجلب منفعة، أم دفع مفسدة.
ومن هنا يمكن القول إن المقصد الأساسي والهدف العام لأحكام الشريعة هو تحقيق مصالح العباد، يقول الشاطبي رحمه الله تعالى:"المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معاً، فالداخل تحته مقتض لما وضعت له".[14]
ثانياُ: أهمية علم المقاصد
يرى الشيخ ابن عاشور رحمه الله تعالى، وسار على منواله في المسألة الدكتور يوسف العالم، بأن العامي المقلد، لاحاجة له إلى معرفة مقاصد الشريعة، لأن معرفة المقاصد نوع دقيق من أنواع العلم، لايخوض فيه إلا من بلغ درجة من العلم، ووهب قدراً من لطف الذهن واستقامة الفهم، فحق العامي أن يتلقى الشريعة بدون معرفة المقصد، وأن الذي يحتاج للمقاصد هو المجتهد فقط[15].
غير أن الدكتور يوسف البدوي لم يرتض قولهما، واعتبر أن المقاصد ضرورية ومهمة للعامي، لكي يزيد إيمانه بالله تعالى، ولتتحقق لديه مناعة ضد الغزو الفكري في عصرنا الذي يريد صده عن دينه، ومهمة للداعية حتى يكشف عن الحكم والأسرار في التشريع، فيتحقق الاقتناع بدين لله لدى الناس، وليشوقهم ويرغبهم في تطبيقها، ومهمة للمجتهد ليراعي تحقيقها في اجتهاده واستنباطه للأحكام من الأدلة[16].
وأظن أنه لا تعارض بين الرأيين، لأن الأول يتحدث عن أهمية المقاصد في الاجتهاد واستنباط الأحكام، وهذا أمر لا علاقة للعامي به، لذا لاحاجة لمعرفته بالمقاصد، فهو لا يطلب منه استنباط الحكام، وإنما تلقي الأحكام من المجتهدين، والرأي الثاني يتحدث عن أهمية المقاصد من حيث فوائدها وما تثمره معرفتها من ثمرات في النفس والمجتمع، وهي بهذا المعنى لاشك مهمة وضرورية لكل مكلف.
ثالثاً: أقسام المقاصد
إذا كانت مقاصد الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد كما تقدم، فإن مصالح العباد ليست على درجة واحدة من حيث الأهمية، وبالتالي ستكون المقاصد الشرعية متفاوتة من حيث درجة ورتبة اعتبارها، ولذا قسم العلماء المقاصد وفقاً للمصالح التي تحققها ثلاثة أقسام، الضرورية و الحاجية والتحسينية.
أ-المقاصد الضرورية
عرفها الشاطبي بقوله: "فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين".[17]وعرفها الدكتور الخادمي بقوله:"وهي التي لابد منها في قيام مصالح الدارين، وهي الكليات الخمس(حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)"[18] وعرفها الدكتور يوسف العالم بقوله: "وهي ما لابد منها لقيام نظام العالم وصلاحه، بحيث لا يبقى النوع الإنساني مستقيم الحال بدونه"[19]وعرفها الدكتور محمد اليوبي بقوله:"هي المصالح التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب"[20]والمفهوم من كل هذه التعاريف هو أن الحاجة التي يتطلبها الناس، إذا وصلت بهم إلى حد لو انعدمت لتهددت حياتهم، وانعدمت السعادة وساد الشقاء في الدنيا أو الآخرة، فعندها تسمى هذه الحاجة ضرورية، وحفظها مقصد من مقاصد الشريعة.وبالاستقراء توصل العلماء إلى تحديد هذه الحاجات الضرورية بخمس حاجات، يقول الشاطبي:"اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة، لا تنحصر في باب واحد"[21] وهذه المقاصد الضرورية الخمس، ليست على درجة واحدة من الأهمية، بل هي متفاوتة فيما بينها، ويمكن الترجيح بينها لو تعارضت، وهي على الترتيب التالي (الدين فالنفس فالنسب فالعقل فالمال) ومنهم من زاد مقصدا سادساً وهو العرض، ومن العلماء من جعله مندرجاً مع النسب، ومن العلماء من رتبها بخلاف هذا[22]،و الذي يهم في هذه العجالة هو معرفتها فقط. 
ب- والمقاصد الحاجية
عرفها الشاطبي بقوله: " وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة"[23] وعرفها الدكتور محمد اليوبي بقوله: "هي ما كان مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب"[24]وعرفها الدكتور يوسف العالم بقوله:" وهو ما تدعو حاجة الناس إليه من غير أن يصل إلى حد الضرورة"[25] وعرفها الدكتور الخادمي بقوله:"وهي التي يحتاج إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج والمشقة"[26] والمقصود أن الناس بحاجة إليها، ولكن حاجتهم ليست كحاجتهم إلى الضروريات، فلو لم تتحق لهم لما تهددت حياتهم، ولكن سيقعون في مشقة وعنت، فمراعاة الشريعة لها، من باب التيسير ورفع الحرج، كالرخص في العبادات، وإباحة البيوع وعقود المعاوضات في المعاملات، والولاية في الزواج ونحو ذلك من الأحكام.
ج - والمقاصد التحسينية
عرفها الشاطبي بقوله: " وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق"[27] وعرفها الدكتور يوسف العالم بقوله: " وهو ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتوسعة"[28] وعرفها الدكتور محمد اليوبي و الدكتور الخادمي بقولهما:"وهي التي تليق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، والتي لا يؤدي تركها غالباً إلى الضيق والمشقة"[29] والمقصود أن هذه الحاجات إنما يطلبها الناس، من أجل الرفاهية والتلذذ، بحيث تتجمل حياتهم ويسودها النعيم، ولو فقدت لما تهددت حياتهم، ولما شعروا بحرج ومشقة، كأحكام الطهارة وستر العورة، وآداب الطعام والشراب والعادات، والنهي عن الإسراف ونحو ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها. وقد شرع الإسلام لكل مقصد من هذه المقاصد أحكاماً لإيجاده وأحكاماً لإبقائه، فمثلاً في مقصد النسل شرع الزواج لإيجاده، وحرم الزنا للمحافظة عليه، وفي مقصد المال شرع العمل والبيوع لإيجاده، وحرم السرقة والبيوع الفاسدة للمحافظة عليه، وهكذا، وقد أطال أهل العلم في بيان هذه الأحكام مما هو معلوم في المطولات، والهدف هنا هو إزالة الحجاب عن معرفة المقاصد، ووضع تصور عام عنها، وليس الدخول في تفاصيلها. ولعله بهذا الإيجاز تكون قد اتضحت فكرة المقاصد، وحصل تصور عام وكاف عنها، والمقاصد جزء من علم أصول الفقه، لكنها أخذت تستقل بشخصيتها شيئاً فشيئاً، حتى غدت علماً كبيراً، واليوم من العلماء من ينادي باعتبارها فناً مستقلاً بنفسه، فمتى بدأت ملامحها بالظهور وأخذت تنحو منحى الاستقلال؟ لعل الحلقات القادمة تبين لنا الجواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.facebook.com/profile.php?id=100003044442609
 
مدخل عام لدراسة علم المقصد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الابداع العربي :: منتدى التعليم العالي :: شعبة الدراسات الاسلامية :: الفصل الثالث-
انتقل الى: